فصل: 1101- باب ما جاءَ في فضل مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبيلِ الله

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


21- كتاب فضائل الجهاد

1093- باب ما جاءَ فَضْلِ الْجِهَاد

1623- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عَوَانَةَ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ ‏"‏قِيلَ يَا رسولَ الله ما يَعْدِلُ الْجِهَادَ قال‏:‏ لا تَسْتَطِيعُونَهُ، فردّوا عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أو ثَلاَثاً كُلّ ذلكَ يقولُ‏:‏ لا تَسْتَطِيعُونَهُ، فقالَ في الثّالِثَةِ‏:‏ مَثَلُ المُجَاهِدِ في سبيلِ الله مَثلُ القائم الصّائِمِ الذي لا يَفْتُرُ مِنْ صلاةٍ ولا صِيَامٍ، حتى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سبيلِ الله‏"‏‏.‏

وفي البابِ عن الشّفَاءِ وعبدِ الله بنِ حُبشِيّ وأبي موسَى وأبي سَعِيدٍ وأُمّ مالكٍ البَهْزِيّةِ وأنَسِ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

1624- حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنُ بَزِيعٍ حدثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ حدثني مَرْزُوقٌ أبو بكرٍ عن قَتَادَةَ عن أنسِ بنِ مالك قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يَعْنِي يقولُ الله عز وجل‏:‏ المُجَاهِدُ في سبيلي هُوَ عَلَيّ ضامن إنْ قَبَضْتُهُ أوْرَثْتُهُ الجَنّةَ، وإنْ رَجَعْتُهُ رَجَعْتُهُ بأجْرِ أو غَنِيمَةٍ‏"‏‏.‏

قال هو غريب صحيحٌ من هذا الوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يعدل الجهاد‏)‏ أي أي عمل يساوي الجهاد‏:‏ يعني في الفضل والثواب ‏(‏مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم‏)‏ ولمسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، زاد النسائي من هذا الوجه‏:‏ الخاشع الراكع الساجد، وفي الموطأ وابن حبان‏:‏ كمثل الصائم القائم الدائم، ولأحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً‏:‏ مثل المجاهد في سبيل كمثل الصائم نهاره والقائم ليله‏:‏ وشبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في نيل الثواب في كل حركة وسكون، لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة فأجره مستمر، وكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب لحديث‏:‏ إن المجاهد لتستن فرسه فيكتب له حسنات‏.‏ وأصرح منه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخصمة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين‏.‏ ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون‏)‏ ‏(‏لا يفتر‏)‏ من الفتور من باب نصر ينصر أي لا يسأم ولا يمل ‏(‏حتى يرجع المجاهد في سبيل الله‏)‏ أي إلى بيته أو حتى ينصرف عن جهاده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن الشقاء وعبد الله بن حبشي وأبي موسى وأبي سعيد وأم مالك البهزية وأنس بن مالك‏)‏، أما حديث الشفاء فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث عبد الله بن حبشي فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في أواخر فضائل الجهاد، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجه في باب فضل الجهاد في سبيل الله من أبواب الجهاد، وأما حديث أم مالك البهزية فأخرجه أحمد في مسنده، وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يعني يقول الله‏)‏ الظاهر أن قائله أنس، أي يريد صلى الله عليه وسلم أن المجاهد في سبيل الخ من الأحاديث الإلهية‏.‏ ووقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فيما يحكي عن ربه قال‏:‏ أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له، رواه النسائي ‏(‏وهو عليّ ضامن‏)‏ كذا في النسخ الحاضرة بلفظ ضمان‏.‏ وفي ترغيب المنذري نقلاً عن الترمذي بلفظ ضامن، وكذا نقله الحافظ في التفح وقال‏:‏ قوله على ضامن أي مضمون، أو معناه أنه ذو ضمان انتهى ‏(‏وإن رجعته‏)‏ أي أرجعته‏.‏ قال في القاموس‏:‏ رجع يرجع رجوعاً انصرف، والشيء عن الشيء وإليه رجعا صرفه ورده كأرجعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب صحيح‏)‏ قال المنذري بعد ذكره‏:‏ وهو في الصحيحين وغيرهما بنحوه من حديث أبي هريرة وتقدم انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ذكر المنذري فيما تقدم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرجه منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة الخ، رواه مسلم واللفظ له، ورواه مالك والبخاري والنسائي ولفظهم‏:‏ تكفل الله من جاهد في سبيله الخ‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ تضمن الله وتكفل الله وانتدب الله بمعنى واحد ومحصله تحقيق المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة‏)‏ وذلك التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم‏.‏

1094- باب ما جاءَ في فَضْلِ مَنْ مَاتَ مُرَابِطا

1625- حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ أخبرنا عبدُ الله بنُ المبَارَكِ أخبرنا حَيْوَةَ بنُ شُرَيْحٍ، قال أبو هَانِئ الْخَوْلاَنِيّ أنّ عَمْرو بنَ مَالِكٍ الْجَنْبِي أخْبَرَهُ أنّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبْيْدٍ يُحَدّثُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنّهُ قال‏:‏ ‏"‏كُلّ مَيّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاّ الّذِي مَاتَ مُرَابِطاً في سبيلِ الله فإنّهُ يُنْمي لَهُ عَمَلَهُ إلى يَوْمِ القيامَةِ ويَأْمَنُ من فِتْنَة الْقَبْرِ وسَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَجَابِرٍ‏.‏

حديثُ فَضَالَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه سمع فضالة‏)‏ بفتح الفاء والضاد المعجمة ‏(‏بن عبيد‏)‏ بالتصغير ‏(‏كل ميت يختم‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏على عمله‏)‏ أي لا يكتب له ثواب جديد ‏(‏فإنه ينمي له عمله‏)‏ بفتح الياء وكسر الميم أي يزيد، ويجوز أن يكون بضم الياء وفتح الميم من الإنماء أي يزاد عمله بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد، فإنه فدى نفسه فيما يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين بدفع أعدائهم من المشركين ‏(‏ويأمن فتنة القبر‏)‏ أي مع ذلك، ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المجاهد من جاهد نفسه‏)‏ زاد في رواية الله أي قهر نفسه الأمارة بالسوء على ما فيه رضا الله من فعل الطاعة وتجنب المعصية، وجهادها أصل كل جهاد، فإنه لم يجاهدها لم يمكنه جهاد العدو الخارج‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عقبة بن عامر وجابر‏)‏ أما حديث عقبة فأخرجه أحمد والدارمي، وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني في الأوسط عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق كل خندق كسبع سماوات وسبع أرضين‏"‏، قال المنذري في الترغيب‏:‏ إسناده لا بأس به إن شاء الله ومتنه غريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث فضالة بن عبيد حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وليس في روايته جملة‏:‏ المجاهد من جاهد نفسه، وأخرجه ابن حبان مع هذه الجملة‏.‏

1095- باب ما جاءَ في فَضْلِ الصّوْمِ في سبيلِ الله

1626- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن أبي الأسْوَدِ عن عُرْوَةَ بن الزبير وَ سُلَيْمانَ بنَ يَسَارٍ أنّهُمَا حَدّثَاهُ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبيلِ الله زَحْزَحَهُ الله عن النّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً‏"‏‏.‏ أحدُهُمَا يقُولُ‏:‏ سَبْعِينَ والاَخرُ يقولُ‏:‏ أرْبَعِينَ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذَا الوَجْهِ‏.‏ وأبو الأسودِ اسمُهُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ بنِ نَوْفَلٍ الأسَدِيّ المدنيّ‏.‏

وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وأنَسٍ وَعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأبي أُمَامَةَ‏.‏

1627- حدثنا سَعِيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزومي حدثنا عبدُ الله بنُ الوَلِيدِ العَدَنِيّ حدثنا سُفْيَانَ الثّوْرِي قال وحدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبد الله بنُ موسى عن سُفْيَانَ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن النّعْمَانِ بنِ أبي عَيّاشٍ الزّرَقِيّ عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْماً في سَبِيلِ الله إلاّ بَاعَدَ ذلكَ الْيَوْمُ النّارَ عن وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1628- حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أُمامة الباهليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَامَ يَوْماً في سَبِيلِ الله جَعَلَ الله بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ ‏(‏خَنْدَقاً كما بَيْنَ السماءِ والأرْضِ‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ أبي أُمَامَةَ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من صام يوماً في سبيل الله‏)‏ قال ابن الجوزي‏:‏ إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصداً وجه الله‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك، ثم وجدته في فوائد أبي طاهر الذهلي من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثي عن المقبري عن أبي هريرة بلفظ‏:‏ ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوماً في سبيل الله الحديث‏.‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإنحمل كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال‏:‏ ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأول أقرب ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لأن الصائم يضعف عن اللقاء لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفاً ولا سيما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النسبية، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين انتهى ‏(‏زحزحه الله‏)‏ أي بعده ‏(‏سبعين خريفاً‏)‏ قال الحافظ‏:‏ الخريف زمان معلوم من السنة والمراد به هنا العام، وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجنى فيه الثمار‏.‏ ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة والييوسة دون غيره، ورد بأن الربيع كذلك‏.‏ قال القرطبي‏:‏ ورد ذكر السبعين لإرادة التكثر كثيراً انتهى، ويؤيده أن النسائي أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر والطبراني عن عمرو بن عبسة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس فقالوا جميعاً في رواياتهم مائة عام انتهى كلام الحافظ ‏(‏أحدهما‏)‏ أي أحد من عروة وسليمان ‏(‏يقول سبعين والاَخر يقول أربعين‏)‏ من روى بسبعين فروايته موافقة لحديث أبي سعيد المتفق عليه الاَتي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف‏.‏ قال المنذري في الترغيب‏:‏ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً، رواه النسائي بإسناد حسن‏.‏ والترمذي من رواية بن لهيعة وقال‏:‏ حديث غريب‏.‏ ورواه ابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد العزيز الليثي وبقية رجال الإسناد ثقات انتهى ‏(‏وأبو الأسود اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المديني‏)‏ قال الحافظ‏:‏ هو يتيم‏.‏ عروة ثقة من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد وأنس وعقبة بن عامر وأبي أمامة‏)‏، أما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان، وأما حديث أنس فلينظر من أخرجه، وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه النسائي، وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن الوليد العدني‏)‏ قال في التقريب‏:‏ عبد الله بن الوليد بن ميمون أبو محمد المكي المعروف بالعدني صدوق ربما أخطأ من كبار العاشرة عن النعمان ‏(‏بن أبي عياش‏)‏ بفتح عين مهملة وشدة تحتية وبشين معجمة ‏(‏الزرقي‏)‏ بضم زاي معجمة وفتح راء مهملة الأنصاري المدني ثقة من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا باعد ذلك اليوم‏)‏ أي صومه ‏(‏النار‏)‏ بالنصب مفعول باعد‏.‏ وذكر المنذري في الترغيب هذا الحديث بلفظ‏:‏ ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً، وعزاه للبخاري ومسلم والترمذي والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما كما عرفت آنفاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا زياد بن أيوب‏)‏ هو البغدادي المعروف بدلويه ‏(‏جعل الله بينه وبين النار خندقاً‏)‏ الخندق بوزن جعفر حول أسوار المدن معرب كنده كذا في القاموس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ ذكره المنذري في الترغيب وعزاه الترمذي وسكت عنه‏.‏

1096- باب ما جاءَ في فَضْلِ النّفَقَةِ في سَبِيلِ الله

1629- حدثنا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا الحُسَيْن بن علي الجُعَفِيّ عن زَائِدَةَ عن الرّكَينِ بنِ الرّبيعِ عن أبيهِ عن يُسَيْرِ بن عُمَيْلَةَ عن خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ أنْفَقَ نَفَقَةً في سبيلِ الله كُتِبَتْ لَهُ بسَبْعَمَائَةِ ضِعْفٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن أبي هريرةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ إنما نَعْرِفُهُ مِنْ حديثِ الرّكَيْنِ بنِ الرّبيعِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الركين‏)‏ بالتصغير ‏(‏بن الربيع‏)‏ بن عميلة الفزاري الكوفي ثقة من الرابعة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عن الربيع بن الفزاري الكوفي وثقه بن معين ‏(‏عن يسير‏)‏ بالتصغير ‏(‏بن عميلة‏)‏ بفتح المهملة وكسر الميم الفزاري ويقال له أسير أيضاً ثقة من الثالثة ‏(‏عن خريم‏)‏ بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية ‏(‏بن فانك‏)‏ بالفاء وكسر الفوقية الأسدي صحابي شهد الحديبية ولم يصح أنه شد بدراً، مات في خلافة معاوية بالرقة ‏(‏من أنفق نفقة‏)‏ أي صرف نفقة صغيرة أو كبيرة ‏(‏كتبت له سبعمائة ضعف‏)‏ أي مثل، وهذا أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء‏.‏ قال المناوي‏.‏ أخذ منه بعضهم أن هذا نهاية التضعيف ورد بآية ‏(‏والله يضاعف لمن يشاء‏)‏ انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة‏)‏ أخرجه البزار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره، فسار وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في كل يوم كلما أحصدوا عاد كما كان، فقال يا جبريل من هؤلاء‏؟‏ قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وذكر الحديث بطوله، كذا في الترغيب ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وأخرجه أيضاً أحمد‏.‏

1097- باب ما جاءَ في فَضْلِ الْخِدْمَةِ في سَبِيلِ الله

1630- حدثنا محمدُ بنُ رَافِعٍ حدثنا زَيْدُ بنُ حُبَابٍ حدثنا مُعَاوِيَة بنُ صَالِحٍ عن كَثِيرِ بنِ الحَارِثِ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن عَدِيّ بنِ حَاتِمٍ الطّائِيّ ‏"‏أنه سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ الصّدَقَةِ أفْضَلُ‏؟‏ قال‏:‏ خِدْمَةُ عَبْدٍ في سَبيلِ الله، أوْ ظِلّ فُسْطَاطٍ، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سَبِيلِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو معامية وقد رُوِيَ عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالحٍ هذا الحديثُ مُرْسلاً وَخُولِفَ زَيْدٌ في بَعْضِ إسْنَادِهِ‏.‏ قال ورَوَى الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ هذا الحَديثَ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

1631- حدثنا بذلك زِيَادُ بنُ أيّوبَ‏.‏ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ عن القَاسِمٍ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أفْضَلُ الصّدَقَاتِ ظِلّ فُسْطَاطٍ في سَبِيلِ الله، ومَنِيحَةُ خَادِمٍ في سَبِيلِ الله، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سَبِيلِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيح ‏(‏غريب‏)‏ وهو أصَحّ عِنْدِي مِنْ حديثِ مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن كثير بن الحارث‏)‏ الدمشقي مقبول من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال خدمة عبد في سبيل الله‏)‏ وفي رواية أبي أمامة الاَتية‏:‏ منيحة خادم في سبيل الله، فالمراد بقوله خدمة عبد، أي هبة عبد للمجاهد ليخدمه أو عاريته له ‏(‏أو ظل فسطاط‏)‏ بضم الفاء وتكسر خيمة يستظل به المجاهد، أي نصب خيمة أو خباء للغزاة يستظلون به ‏(‏أو طروقة فحل‏)‏ بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة يعني ناقة أو نحو فرس بلغت أن يطرقها الفحل، يعطيه إياها ليركبها إعارة أو قرضاً أو هبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله ومنيحة خادم في سبيل الله أو طروقة فحل في سبيل الله‏)‏ قال المنذري في الترغيب‏:‏ طروقة الفحل بفتح الطاء وبالإضافة هي الناقة التي صلحت لطرق الفحل وأقل سنها ثلاث سنين وبعض الرابعة وهذه هي الحقة، ومعناه أن يعطي الغازي خادماً أو ناقة هذه صفتها فإن ذلك أفضل الصدقات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب صحيح‏)‏ قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، فلم يذكر لفظ غريب، وكذا في الجامع الصغير بغير ذكر لفظ غريب‏.‏ وقال المناوي‏:‏ واعترض بأن حقة حسن لا صحيح انتهى وحديث أمامة هذا أخرجه أيضاً أحمد في مسنده‏.‏

1098- باب ما جاءَ فيمن جَهّزَ غَازِيا

تجهيز الغازي تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوة‏.‏

1632- حدثنا أبو زَكَرِيّا يَحْيى بنُ دُرُسْتَ البصري حدثنا أبو إسماعيلَ حدثنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عَن أبي سَلمَةَ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن زَيْدِ بنِ خالدٍ الجهَنِيّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فقد غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أهْلِهِ فَقَدْ غَزَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ‏.‏

1633- حدثنا ابنُ أبي عُمرَ حدثنا سُفْيَان بن عينية عن ابنِ أبي لَيْلَى عن عَطَاءِ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ جهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله أو خَلَفَهُ في أهْلِهِ فَقَدْ غزَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

1634- حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏.‏

1635- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ مَهْدِي حدثنا حَرْبُ بنُ شَدّادٍ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ عن زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسن صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو إسماعيل‏)‏ اسمه إبراهيم بن عبد الملك البصري أو إسماعيل القناد صدوق في حفظه شيء من السابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال من جهز غازياً‏)‏ بتشديد الهاء أي هيأ أسباب سفره ‏(‏في سبيل الله‏)‏ أي في الجهاد ‏(‏فقد غزا‏)‏ أي حكماً وحصل له ثواب الغزاة ‏(‏ومن خلف‏)‏ بفتح اللام المخففة ‏(‏غازياً‏)‏ أي قام مقام بعده وصار خلفاً له برعاية أموره في أهله ‏(‏فقد غزا‏)‏ قال القاضي‏:‏ يقال خلفه في أهله إذا قام مقامه في إصلاح حالهم ومحافظة أمرهم أي من تولى أمر الغازي وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته شاركه في الثواب لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله فكأنه مسبب عن فعله قال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله فقد غزا قال ابن حبان‏:‏ معناه أنه مثله في الأجر وإن لم يغز حقيقة، ثم أخرج من وجه آخر عن بسر بن سعيد بلفظ‏:‏ كتب له مثل أجره غير أن لا ينقص من أجره شيء، ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ‏:‏ من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع‏.‏ وأفادت فائدتين‏:‏ إحداهما أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز وهو المراد بقوله‏:‏ حتى يستقل‏.‏ ثانيهما أنه يستوي معه في الأجر وماله يخبر إلى أن تنقضي تلك الغزوة انتهى‏.‏

فإن قلت‏:‏ ماوجه التوفيق بين حديث الباب وحديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً وقال‏:‏ ليخرج من كل رجلين رجل والأجر بينهما، رواه مسلم‏.‏ وفي رواية له‏:‏ ثم قال للقاعد‏:‏ وأيكم خلف الخارج في أهله كان له مثل نصف أجر الخارج‏.‏

قلت‏:‏ قال القرطبي‏:‏ لفظه نصف يشبه أن تكون مقحمة أي مزيدة من بعض الرواة وقال الحافظ‏:‏ ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للاَخر‏.‏ فلا تعارض بين الحديثين انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما ‏(‏وقد روى‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏من غير هذا الوجه‏)‏ أي من غير هذا الإسناد المذكور، وقد ذكره الترمذي بقوله حدثنا ابن أبي عمر الخ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد الخ‏)‏ قد وقعت هذه العبارة أعني قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد إلى قوله نحوه في بعض النسخ قبل قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي الخ ‏(‏حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان‏)‏ العرزمي صدوق له أوهام من الخامسة كذا في التقريب‏.‏

1099- باب ما جاء في فضل من اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله

أبي بيان ماله من الفضل‏.‏

1636- حدثنا أبو عَمّارٍ الحسين بن حريث حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن بريد بنِ أبي مَرْيَمَ قال‏:‏ لَحِقَنِي عَبَايَةُ بنُ رِفَاعَةَ بنُ رَافِعٍ وأنا مَاشٍ إلَى الجُمُعَةِ فقال‏:‏ أبْشِرْ فإنّ خُطَاكَ هَذِهِ في سَبِيلِ الله، سَمِعْتُ أبا عَبْسٍ يقولُ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنِ اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ الله فَهُمَا حَرَامٌ على النّارِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريب صحيحٌ‏.‏ وأبو عَبْسٍ اسْمُهُ عبدُ الرّحْمَنِ بنُ جَبْرٍ‏.‏

وفي البابِ عن أبي بَكْرٍ ورَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال وبريدَ بنِ أبي مَرْيَمَ هو رَجُلٌ شَامِيّ رَوَى عنهُ الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ ويحيَى بن حمزَةَ وغيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ الشّامِ‏.‏ وبريد بنُ أبي مَرْيَمَ كُوفِيّ أبُوهُ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم واسْمُهُ مَالِكُ بنُ رَبِيعَةَ‏.‏ وبريد بن أبي مريم سمع من أنس بن مالك وروى عن بريد بن أبي مريم أبو اسحاق الهمداني وعطاء بن السائب ويونس بن أبي اسحاق وشعبة أحاديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لحقني عباية‏)‏ بفتح المهملة ‏(‏بن رفاعة‏)‏ بكسر الراء المهملة ‏(‏وأنا ماش إلى الجمعة‏)‏ جملة حالية‏.‏ اعلم أن كذا وقع عند الترمذي وكذا عند النسائي أن القصة وقعت ليزيد بن أبي مريم مع عباية، وعند البخاري في باب المشي إلى الجمعة من رواية علي بن المديني عن الوليد بن مسلم أن القصة وقعت لعباية مع أبي عباس، فإن كان ما عند الترمذي والنسائي محفوظاً احتمل أن تكون القصة وقعت بكل منهما‏.‏ كذا في الفتح ‏(‏فقال‏)‏ أي عباية ‏(‏أبشر‏)‏ من الإبشار، قال في الصراخ‏:‏ الإبشار شاد شدن يقال بشرته بمولود فأبشر أي سر، ويقال أبشر بخير، ومنه قوله تعالى ‏(‏وأبشروا بالجنة‏)‏ ‏(‏فإن خطاك‏)‏ جمع خطوة ‏(‏في سبيل الله‏)‏ أي في طريق يطلب فيها رضا الله ‏(‏سمعت أبا عباس‏)‏ بسكون الموحدة هو ابن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة ‏(‏من اغبرت قدماه‏)‏ أي أصابهما غبار ‏(‏في سبيل الله‏)‏ أي في الجهاد‏.‏ وقال المناوي في شرح الجامع الصغير أي في طريق يطلب فيها رضا الله فشمل الجهاد وغيره كمطلب العلم‏.‏ قلت‏:‏ وأراد عباية بن رفاعة في رواية الترمذي وكذا أبو عبس الراوي في رواية البخاري العموم ‏(‏فهما حرام على النار‏)‏ أي لا تمسها النار، وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله فإذا كان مجرد مس الغبار للقدم يحرم عليها النار فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفد وسعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بكر ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ لم أقف على من أخرج حديثهما‏.‏ وفي الباب أيضاً عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن جابر أخرجه ابن حبان ذكر الحافظ لفظهما في الفتح تحت حديث الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويزيد بن أبي مريم وهو رجل شامي‏)‏ قال في التقريب يقال اسم أبيه ثابت الأنصاري أبو عبد الله الدمشقي إمام الجامع لا بأس به ‏(‏روى عنه الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة وغير واحد من أهل الشام‏)‏ كالأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وغيرهما، وهو روى عن أبيه وعن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ومجاهد وغيرهم‏.‏ كذا في تهذيب التهذيب ‏(‏ويزيد بن أبي مريم كوفي‏)‏ يعني هذا رجل آخر غير يزيد بن أبي مريم الشامي المذكور ‏(‏أبوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه مالك بن ربيعة‏)‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ مالك بن ربيعة أبو مريم السلولي من أصحاب الشجرة، سكن الكوفة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في النوم عن الصلاة، وعنه ابنه يزيد بن أبي مريم روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له أن يبارك له في ولده فولد له ثمانون ذكراً، قال الحافظ ذكره ابن حبان في الصحابة ثم ذكره ثقات التابعين‏.‏

1100- باب ما جاءَ في فَضْلِ الغُبَارِ في سبيلِ الله

1637- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ الله المَسْعُودِيّ عن محمد بنِ عبدِ الرحمَنِ عن عيسى بنِ طَلْحَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يَلِجُ النّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله حتى يَعُودَ اللّبنُ فِي الضّرْعِ، ولا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سبيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنّمَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

ومحمدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ هو مَوْلَى أبي طَلْحَةَ مدنيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن محمد بن عبد الرحمن‏)‏ بن عبيد القرشي مولى آل طلحة كوفي ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يلج النار‏)‏ أي لا يدخلها ‏(‏رجل بكى من خشية الله‏)‏ فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية ‏(‏حتى يعود اللبن في الضرع‏)‏ هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى ‏"‏حتى يلج الجمل في سم الخياط‏"‏ ‏(‏ولا يجتمع‏)‏ أي على عبد، كما في رواية غير الترمذي ‏(‏غبار في سبيل الله ودخان جهنم‏)‏ فكأنهما ضدان لا يجتمعان، كما أن الدنيا والاَخرة نقيضان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي إلا أنهم قالوا‏:‏ ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً، وقال الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد‏.‏

1101- باب ما جاءَ في فضل مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبيلِ الله

1638- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو مُعاوِيةَ عن الأعْمَشِ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ أن شُرَحْبِيلَ بنَ السّمْطِ قال‏:‏ يا كَعْبُ بنُ مُرّةَ حَدّثْنَا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واحْذَرْ، قال‏:‏ سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏مَنْ شَابَ شَيْبَةً في الإسْلاَمِ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ وعَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو‏.‏ وحَدِيثَ كَعْبِ بنِ مُرّةَ‏.‏ هكذا رَوَاهُ الأعْمَشُ عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عن مَنْصُورٍ عن سَالمِ بنِ أبِي الْجَعْدِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَعْبِ بنِ مُرّةَ في الإسْنَادِ رَجُلاً‏.‏ ويُقَالُ كَعْبُ بنُ مُرّةَ ويُقَالُ مُرّةُ بنُ كَعْبٍ البَهْزِيّ‏.‏ و قد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحَادِيثَ‏.‏

1639- حدثنا إسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ المروزي، أخبرنا حَيْوَة بنُ شُرَيْحٍ عن بَقِيّةَ عن بَجيرٍ بن سَعْدٍ عن خالدِ بنِ مَعْدَانَ عن كَثِيرِ بنِ مُرّةَ عن عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏مَنْ شَابَ شَيْبَةً في سبِيلِ الله كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ‏.‏ وَحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ هو ابنُ يَزِيدَ الحِمْصِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واحذر‏)‏ أي عن زيادة ونقصان فيه ‏(‏من شاب شيبة‏)‏ أي شعرة واحدة بيضاء ‏(‏في الإسلام‏)‏ يعني أعم من أن يكون في الجهاد أو غيره ‏(‏كانت له نوراً يوم القيامة‏)‏ أي ضياء ومخلصاً عن ظلمات الموقف وشدائده‏.‏ قال المناوي‏:‏ أي يصير الشعر نفسه نوراً يهتدي به صاحبه، والشيب وإن كان ليس من كسب العبد لكنه إذا كان بسبب من نحو جهاد أو خوف من الله ينزل منزلة سعيه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن فضالة بن عبيد وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث فضالة فأخرجه البزار والطبراني في الكبير والأوسط من رواية ابن لهيعة وبقية إسناده ثقات، كذا في الترغيب ولفظه مثل حديث الباب المذكور‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث كعب بن مرة حديث حسن‏)‏ وأخرجه النسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هكذا رواه الأعمش عن عمرو بن مرة‏)‏ أي عن سالم بن أبي الجعد الخ ‏(‏وقد روى هذا الحديث عن منصور عن سالم بن أبي الجعد وأدخل‏)‏ أي منصور بينه أي بين سالم بن أبي الجعد ‏(‏ويقال كعب بن مرة، ويقال مرة بن كعب البهزي الخ‏)‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ كعب بن مرة وقيل مرة بن كعب البهزي السلمي سكن البصرة ثم الأردن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه شرحبيل بن السمط وسالم بن أبي الجعد وقيل لم يسمع منه وعبد الله بن شقيق وقال مرة بن كعب وغيرهم، قال ابن عبد البر‏:‏ والأكثر يقولون كعب بن مرة له أحاديث مخرجها عن أهل الكوفة يروونها عن شرحبيل عنه، وأهل الشام يروون تلك الأحاديث بأعيانها عن شرحبيل عن عمرو بن عبسة فالله أعلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن كثير بن مرة الحضرمي‏)‏ الحمصي ثقة من الثانية ووهم من عدة في الصحابة كذا في التقريب ‏(‏عن عمرو بن عبسة‏)‏ بعين موحدة مفتوحتين وإهمال سين، ابن عامر بن خالد السلمي كنيته أبو نجيح صحابي مشهور، أسلم قديماً وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من شاب شيبة في سبيل الله‏)‏ وفي رواية النسائي‏:‏ في الإسلام‏:‏ قال الطيبي‏:‏ معناه من مارس المجاهدة حتى يشيب طاقة من شعره فله مالا يوصف من الثواب، دل عليه تخصيص ذكر النور والتنكير فيه، قال ومن روى في الإسلام بدل في سبيل الله أراد بالعام الخاص أو سمى الجهاد إسلاماً لأنه عموده وذروة سنامه انتهى‏.‏ قلت‏:‏ ويمكن أن يراد من ‏"‏سبيل الله‏"‏ في هذا الحديث أعم من الجهاد والله تعالى أعلم‏.‏

‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ قال المنذري بعد ذكر هذا الحديث رواه النسائي في حديث والترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح ولم يذكر المنذري لفظ غريب‏.‏

1102- باب ما جاءَ مَنْ ارْتَبَطَ فَرَساً في سبيلِ الله

أي احتبسها وأعدها للجهاد‏.‏

1640- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إلى يَوْمِ القيامةِ‏.‏ الخَيْلُ لِثَلاَثَةِ‏:‏ هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهِيَ على رَجُلٍ وِزْرٌ‏.‏ فأمّا الّذِي لَهُ أجْرٌ فالذِي يَتّخِذُهَا في سَبِيلِ الله فَيُعِدّها لَهُ هِيَ لَهُ أجْرٌ لا يغيب في بُطُونِهَا شَيْء إلاّ كَتَبَ الله لَهُ أجْراً‏"‏ وفي الحديث قصته‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رَوَى مَالِك بن أنس عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة‏)‏ سيأتي شرح هذا في باب فضل الخيل ‏(‏الخيل لثلاثة‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول أو معصية وهو خير أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني ‏(‏هي لرجل أجر‏)‏ أي ثواب ‏(‏وهي لرجل ستر‏)‏ أي ساتر لفقره ولحاله ‏(‏وهي على رجل وزر‏)‏ أي إثم وثقل ‏(‏لا يغيب‏)‏ بضم التحتية الأولى وشدة الثانية المكسورة أي لا يدخل والضمير يرجع إلى الموصول، وفي رواية مسلم‏:‏ لا تغيب بضم الفوقية والضمير يرجع إلى الخيل‏.‏ وفي الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة‏.‏ والحديث أخرجه الترمذي مختصراً، ورواه مسلم مطولاً وفيه الخيل ثلاثة‏:‏ فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما الذي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئاً في بطونها إلا كتب الله له أجراً ولو رعاها في مرج، ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجراً، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفاً أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر‏.‏ وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً ولا ينسى حتى ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشراً وبطراً وبذبحاً ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر، الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه‏.‏

1103- باب ما جاءَ في فَضْلِ الرّميِ في سَبيل الله

1641- حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا محمدُ بنُ إسحاقَ عن عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي حُسَيْنٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنّ الله لَيُدْخِلُ بالسّهْمِ الوَاحِدِ ثَلاَثَةً الْجَنّةَ‏:‏ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، والرّامِي بهِ، والمُمِدّ بهِ وقال ارْمُوا وارْكَبُوا، ولأَنْ تَرْمُوا أحَبّ إلَيّ مِنْ أنْ تركَبُوا‏.‏ كُلّ مَا يَلْهُو بهِ الرّجُلُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ إلاّ رَمْيَهُ بقَوْس، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وملاعَبَتَهُ أهْلَهُ، فَإِنّهُنّ مِنَ الْحَقّ‏"‏‏.‏

1642- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، أخبرنا هِشَامٌ الدّسْتَوَائِيّ عن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عن أبي سَلاّمٍ عن عبدِ الله بنِ الأزْرَقِ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجهنيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن كَعْبِ بنِ مُرّةَ وَعَمْرِو بنِ عَبَسَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيح‏.‏

1643- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هشَامٍ عن أبيهِ عن قَتَادَةَ عن سَالِمِ بنِ أبي الْجَعْدِ عن مَعْدَانَ بنِ أبي طَلْحَةَ عن أبي نَجِيحٍ السّلَمِيّ رضي الله عنه قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ في سبيلِ الله فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرّرٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏ وأبو نَجِيحٍ هُوَ عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ السّلَمِيّ وعبدُ الله بنُ الأزْرَقِ هو عبدُ الله بن يزيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين‏)‏ بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي النوفلي ثقة عالم بالمناسك من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليدخل بالسهم الواحد‏)‏ أي بسبب رميه على الكفار ‏(‏ثلاثة‏)‏ وفي رواية ثلاثة نفر ‏(‏صانعه‏)‏ بدل بعض من ثلاثة ‏(‏يحتسب‏)‏ أي حال كونه يطلب ‏(‏في صنعته‏)‏ أي لذلك السهم ‏(‏الخير‏)‏ أي الثواب ‏(‏والرامي به‏)‏ أي كذلك محتسباً، وكذا قوله‏:‏ ‏(‏والممد به‏)‏ من الإمداد، قال في المجمع‏:‏ الممد به أي من يقوم عند الرامي وله فينا سهماً بعد سهم أو يرد عليه النبل من الهدف من أمددته بكذا إذا أعطيته إياه ‏(‏ارموا واركبوا‏)‏ أي تقتصروا على الرمي ماشياً واجمعوا بين الرمي والركوب، أو المعنى اعلموا هذه الفضيلة وتعلموا الرمي والركوب بتأديب الفرس والتمرين عليه كما يشير إليه آخر الحديث، وقال الطيبي‏:‏ عطف واركبوا يدل على المغايرة وأن الرامي يكون راجلاً والراكب رامحاً، فيكون معنى قوله‏:‏ ‏(‏ولأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا‏)‏ أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح انتهى كلام الطيبي‏.‏ وقال القاري‏:‏ والأظهر أن معناه أن معالجة الرمي وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه لما فيه من الخيلاء والكبرياء، ولما فيه الرمي من النفع العام، ولذا قدمه تعالى في قوله‏:‏ ‏"‏وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة من رباط الخيل‏"‏ مع أنه لا دلالة في الحديث على الرمح أصلاً انتهى كلام القاري ‏(‏كل ما يلهو به الرجل المسلم‏)‏ أي يشتغل ويلعب به ‏(‏باطل‏)‏ لا ثواب له ‏(‏إلا رميه بقوس‏)‏ احتراف عن رميه بالحجر والخشب ‏(‏وتأديبه فرسه‏)‏ أي تعليمه إياه بالركض والجولان على نية الغزو ‏(‏وملاعبته أهله، فإنهن من الحق‏)‏ أي ليس من اللهو الباطل فيترتب عليه الثواب الكامل‏.‏ قال القاري‏:‏ وفي معناها كل ما يعين على الحق والعلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة كالمسابقة بالرجل والخيل والإبل والتمشية للتنزه على قصد تقوية البدن وتطرية الدماغ، ومنها السماع إذا لم يكن بالاَلات المطربة المحرمة انتهى كلام القاري‏.‏

قلت‏:‏ في قوله ومنها السماع الخ نظر ظاهر، فإن السماع ليس مما يعين على الحق، والسماع الذي هو فاش في هذا الزمان بين المتصوفة الجهلة لا شك في أنه معين على الفساد والبطالة‏:‏ وأما الدليل على أن السماع ليس مما يعين على الحق فقوله تعالى ‏{‏ومن الناس يشتري لهو الحديث‏}‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عبد الله سئل عن قوله تعالى ‏{‏ومن الناس من يشتري لهو الحديث‏}‏ قال‏:‏ الغناء الذي لا إله غيره‏.‏ وأخرجه الحاكم وصححه والبيهقي انتهى‏.‏ وعبد الله هذا هو ابن مسعود، وقد صرح الحافظ به فيه، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا مرسل لأنه من صغار التابعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي الإسلام‏)‏ الحبشي الأسود اسمه ممطور ‏(‏عن عبد الله بن الأزرق‏)‏ بتقديم الزاي على الراء‏.‏ قال في الخلاصة‏:‏ عبد الله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر وعنه أبو سلام وثقه ابن حبان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو‏)‏‏.‏ أما حديث كعب بن مرة فأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من بلغ العدو بسهم رفع الله له درجة، فقال له عبد الرحمن بن النحام‏:‏ وما الدرجة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أما إنها ليست بعتبة أمك ما بين الدرجتين مائة عام‏.‏ وعنه أيضاً قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة، رواه ابن حبان في صحيحه‏.‏ وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ الظاهر أن الترمذي أشار بقوله هذا إلى حديث عقبة بن عامر لا إلى حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين فإنه مرسل، وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس ورواه عنه بالعنعنة‏.‏ وأما حديث عقبة فرواه أبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد، والبيهقي من طريق الحاكم وغيرها وفي لفظ أبي داود ‏"‏ومنبله‏"‏ مكان ‏"‏والممد به‏"‏ قال المنذري‏:‏ منبله بضم الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة، قال البغوي‏:‏ هو الذي يناول الرامي النبل وهو يكون على وجهين‏:‏ أحدهما أن يقوم بجنب الرامي أو خلفه يناوله النبل واحداً بعد واحد حتى يرمي، والاَخر أن يرد عليه النبل المرمي به، ويروي والممدد به، وأي الأمرين فعل فهو ممد به انتهى‏.‏ قال المنذري‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله ‏"‏منبله‏"‏ أي الذي يعطيه للمجاهد ويجهّز به من ماله إمداداً له وتقوية‏.‏ ورواية البيهقي تدل على هذا انتهى‏.‏

قلت‏:‏ في رواية البيهقي أن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة‏:‏ صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهّز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فهو له عدل محرر‏)‏ بكسر العين ويفتح، أي مثل ثواب معتق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ‏(‏وأبو نجيح‏)‏ بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وبالحاء المهملة ‏(‏وهو عمرو بن عبسة‏)‏ بفتح العين الموحدة وبالسين المهملة صحابي مشهور أسلم قديماً وهاجر بعد أحد ثم نزل الشام ‏(‏وعبد الله بن الأزرق هو عبد الله بن زيد‏)‏ والأزرق صفة لزيد فهو عبد الله بن زيد الأزرق كما في الخلاصة وتهذيب التهذيب وميزان الاعتدال‏.‏

1104- باب ما جَاءَ في فَضْلِ الْحَرسِ في سبِيلِ الله

1644- حدثنا نصرُ بنُ عليّ الجهْضَمِيّ، حدثنا بشْرُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شَعَيْبُ بنُ زُرَيْق أبو شَيْبَةَ، حدثنا عَطَاءُ الْخُراسَانِيّ عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ عن ابنِ عباسٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏عَيْنَانِ لا تَمسّهُمَا النّارُ‏:‏ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحرُسُ في سبيلِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن عُثْمَانَ وأبي رَيْحَانَةَ‏.‏

وحديثُ ابنِ عباسٍ حديثٌ حسنٌ غريب لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ شُعْيْبِ بنِ رُزَيْقٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا بشر بن عمر‏)‏ هو الزهران الأزدي ‏(‏حدثنا شعيب بن رزيق‏)‏ بضم الراء المهملة وفتح الزاي مصغراً الشامي أبو شيبة صدوق يخطيء من السابعة ‏(‏حدثنا عطاء‏)‏ بن أبي مسلم أو عثمان الخراساني واسم أبيه ميسرة وقيل عبد الله صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلس من الخامسة، لم يصح أن البخاري أخرج له، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عينان لا تمسهما النار‏)‏ أي لا تمس صاحبهما، فعبر بالجزء عن الجملة، وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى، وفي رواية ‏"‏أبداً‏"‏ وفي رواية ‏"‏لا تريان النار‏"‏ ‏(‏عين بكت من خشية الله‏)‏ وهي مرتبة المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان عالماً أو غير عالم ‏(‏وعين باتت تحرس‏)‏ وفي رواية تكلأ ‏(‏في سبيل الله‏)‏ وهي مرتبة المجاهدين في العبادة وهي شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة، والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار‏.‏ قال الطيبي قوله ‏"‏عين بكت‏"‏ هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه لقوله تعالى ‏"‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏"‏ حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز عنهم، فحصلت النسبة بين العينين عين مجاهد مع النفس والشيطان وعين مجاهد مع الكفار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة‏)‏ أما حديث عثمان فأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولفظه ‏"‏حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها‏"‏‏.‏ وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد ورواته ثقات والنسائي ببعضه، والطبراني في الكبير والأوسط، والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا، في الترغيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الضياء والطبراني في الأوسط عن أنس‏.‏

1105- باب ما جَاء في ثوابِ الشهداء

1645- حدثنا يَحْيَى بنُ طَلْحَةَ اليربوعي الكُوفيّ، حدثنا أبو بكر بنِ عَيّاشٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الْقَتْلُ في سبيلِ الله يُكَفّرُ كُلّ خَطِيئَةٍ، فقالَ جبريلُ إلاّ الدّيْنَ، فقالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ الدّيْنَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن كعْبِ بنِ عُجْرَةَ و جابِرٍ و أبي هُرَيْرَةَ و أبي قَتَادَةَ‏.‏ وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ من حَديثِ أبي بكرٍ إلا من حديثِ هذا الشّيْخِ‏.‏ قال وسألْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عن هذا الحديثِ فلم يَعْرِفْهُ وقال أرَى أنه أرادَ حديثَ حُمَيْدٍ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ليس أحَدٌ من أهلِ الْجَنّةِ يَسُرّهُ أن يَرْجِعَ إلى الدّنْيَا إلاّ الشّهِيدُ‏"‏‏.‏

1646- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ عن الزّهْرِيّ عن ابنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ عن أبيهِ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنّ أرْوَاحَ الشّهَدَاءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِنْ ثَمَرة الْجَنّةِ أو شَجَرِ الْجَنّةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1647- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عثمانُ بنُ عُمرَ، أخبرنا عليّ بنُ المبارَكِ عن يَحْيى بنِ أبي كَثِيرٍ عن عَامِرٍ العُقَيْليّ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏عُرِضَ عَلَيّ أوّلُ ثلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ‏:‏ شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفّفٌ، وَعَبْدٌ أحْسَنَ عِبَادَةَ الله وَنَصَحَ لَمَوالِيهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

1648- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يُحِبّ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا، وَأَنّ لَهُ الدنيا وما فيها، إلاّ الشّهِيدُ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشهادَةِ فَإِنّهُ يُحِبّ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح قال ابن ابي عمر، قال سفيان بن عينية‏:‏ كان عمرو بن دينار أسمه بن الزهري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في طير‏)‏ جمع طائر ويطلق على الواحد ‏(‏خضر‏)‏ بضم فسكون جمع أخضر ‏(‏تعلق‏)‏ قال المنذري‏:‏ بفتح المثناة فوق وعين مهملة وضم اللام أي ترعى من أعالي شجر الجنة انتهى‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ أي تأكل وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه، يقال علقت علوقاً فنقل إلى الطير انتهى ‏(‏من ثمر الجنة أو شجر الجنة‏)‏ شك من الراوي‏.‏ وفي حديث ابن مسعود عند مسلم‏:‏ أرواحهم في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل الحديث‏.‏ قال في المرقاة‏:‏ وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في حديث آخر‏:‏ حتى يرجعه الله إلى جسده يوم بعثه الأجساد، قال ابن الهمام‏:‏ إعلم أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث كما أنه يخالف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فادخلي في عبادي‏}‏ انتهى‏.‏ وفي بعض حواشي العقائد‏:‏ إعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الاَخرة، إذ هم ينكرون الاَخرة والجنة والنار، ولذا كفروا انتهى‏.‏

قلت‏:‏ على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عثمان بن عمر‏)‏ بن فارس العبدي بصري أصله من بخارى ثقة، قيل كان يحيى بن سعيد لا يرضاه من التاسعة ‏(‏عن عامر العقيلي‏)‏ مقبول من الرابعة ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو عقبة‏.‏ قال في تهذيب التهذيب، عقبة العقيلي روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة الحديث، وعنه ابنه عامر العقيلي انتهى‏.‏ وقال في التقريب في ترجمته مقبول من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عرض‏)‏ بالبناء للمفعول ‏(‏أول ثلاثة يدخلون الجنة‏)‏ بصيغة الفاعل، ويجوز كونه للمفعول‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أضاف أفعل إلى النكرة للاستغراق، أي أول كل ثلاثة من الداخلين في الجنة هؤلاء الثلاثة، وأما تقديم أحد الثلاثة على الاَخرين فليس في اللفظ إلا التنسيق عند علماء المعاني انتهى، قال القاري‏:‏ وقوله للاستغراق كأنه صفة النكرة أي النكرة المستغرقة لأن النكرة الموصوفة تعم‏.‏ فالمعنى أول كل ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة، ثم لا شك أن التقديم الذكرى يفيد الترتيب الوجودي في الجملة وإن لم يكن قطعياً كما في آية الوضوء، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ابدأوا بما بدأ الله به في ‏"‏إن الصفا والمروة من شعائر الله‏"‏ وروى ثلة بالضم وهي الجماعة أي أول جماعة يدخلون الجنة وروى برفع ثلاثة فضم أول للبناء كضم قبل وبعد ظرف عرض أي عرض على أول أوقات العرض ثلاثة أو ثلة يدخلون الجنة ‏(‏شهيد‏)‏ فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول ‏(‏وعفيف‏)‏ عن تعاطي ما لا تحل ‏(‏متعفف‏)‏ أي عن السؤال باليسير عن طلب المفضول في المطعم والملبس، وقيل أي متنزه عما لا يليق به صابر على مخالفة نفسه وهواه ‏(‏وعبد‏)‏ أي مملوك ‏(‏أحسن عبادة الله‏)‏ بأن قام بشرائطها وأركانها‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ أي أخلص عبادته من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ‏(‏ونصح لمواليه‏)‏ أي أراد الخير لهم وقام بحقوقهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن طلحة‏)‏ بن أبي كثير اليربوعي الكوفي، لين الحديث من العاشرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏القتل‏)‏ مصدر بمعنى المفعول قوله‏:‏ ‏(‏يكفر كل خطيئة‏)‏ أي يكون سبباً لتكفير كل خطيئة عن المقتول ‏(‏إلا الدين‏)‏ أي وما في معناه من حقوق العباد‏.‏ قال النووي‏:‏ فيه تنبيه على جميع حقوق الاَدميين وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر ولا يكفر حقوق الاَدميين وإنما تكفر حقوق الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن كعب بن عجرة وجابر وأبي هريرة وأبي قتادة‏)‏ أما حديث كعب بن عجرة فلينظر من أخرجه، وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في التفسير وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه عنه قال‏:‏ ذكر الشهداء عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض وفي يد كل واحدة حلة خير من الدنيا وما فيها، وله أحاديث أخرى في هذا الباب ذكرها المنذري في الترغيب في الشهادة وما جاء في فضل الشهداء‏.‏ وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم وأخرجه الترمذي أيضاً في باب من يستشهد وعليه دين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث أنس حديث غريب‏)‏ وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ‏:‏ القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين ‏(‏لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ‏)‏ يعني يحيى بن طلحة الكوفي ‏(‏وقال‏)‏ أي محمد بن إسماعيل البخاري ‏(‏أرى‏)‏ بضم الهمزة وفتح الراء أي أظن ‏(‏أنه‏)‏ أي يحيى بن طلحة ‏(‏أراد حديث حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ليس أحد من أهل الجنة الخ‏)‏ يعني أراد يحيى بن طلحة أن يحدث هذا الحديث فاخطأ ووهم وحديث بحديث‏:‏ القتل يكفر كل شيء الخ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يموت‏)‏ صفة لعبد ‏(‏له عند الله خير‏)‏ أي ثواب صفة أخرى لعبد ‏(‏يجب أن يرجع‏)‏ كلمة أن مصدرية ويرجع لازم ‏(‏وأن له الدنيا‏)‏ بفتح الهمزة عطف على أن يرجع ويجوز الكسر على أن يكون جملة حالية ‏(‏إلا الشهيد‏)‏ مستثنى من قوله يجب أن يرجع ‏(‏لما يرى‏)‏ بكسر اللام التعليلية ‏(‏فيقتل‏)‏ على صيغة المجهول بالنصب عطف على أن يرجع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

1106- باب ما جَاء في فضل الشهداء عند الله

وفي بعض النسخ‏:‏ في أفضل الشهداء مكان في فضل الشهداء وهو الظاهر‏.‏

1649- حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عطاء بن دنيا عن أبي يَزِيدَ الْخَوْلاَنِيّ أنه سَمِعَ فَضَالَةَ بنَ عُبَيْدٍ يقولُ‏:‏ سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَابَ يقولُ‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏الشّهَدَاءُ أرْبَعَةٌ‏:‏ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الإيمَانِ لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ، فَذَاكَ الّذِي يَرْفَعُ الناسُ إليهِ أعْيُنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ هَكَذَا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ حتى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، قال فلا أدْرِي قَلْنَسُوَةَ عُمَر أرَادَ أَمْ قَلَنْسُوَةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الإيْمَانِ لَقِيَ العَدُوّ فَكَأَنّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْك طَلْحٍ مِنَ الْجُبْنِ أتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ في الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ‏.‏ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيّئاً لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ فَذَاكَ في الدّرَجَةِ الثّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ على نَفْسِهِ لَقِيَ العَدُوّ فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ، فَذَاكَ في الدّرَجَةِ الرّابِعَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلاّ مِنْ حديثِ عَطَاءِ بنِ دِينَارٍ قال سَمِعْتُ محمداً يقولُ‏:‏ قد رَوَى سَعيدُ بنُ أبي أيوبَ هذا الحديثَ عن عَطَاءِ بنِ دِينَارٍ وقال عن أشْيَاخٍ مِنْ خَوْلاَنَ ولَمْ يَذْكُرْ فيه عن أبي يَزِيدَ، وقال‏:‏ عَطَاءُ بنُ دِينارٍ لَيْسَ به بَأْسٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عطاء بن دينار‏)‏ الهذلي مولاهم أبو الريان، وقيل أبو طلحة المصري صدوق إلا أن روايته عن سعيد بن جبير عن صحيفته من السادسة ‏(‏عن أبي يزيد الخولاني‏)‏ المصري مجهول من الرابعة ‏(‏أنه سمع فضالة بن عبيد‏)‏ بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أو ما شهد أحداً ثم نزل دمشق وولى قضاها، مات سنة ثمان وخمسين وقيل قبلها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الشهداء أربعة‏)‏ أي أربعة أنواع أو أربعة رجال ‏(‏رجل مؤمن جيد الإيمان‏)‏ أي خالصه أو كامله ‏(‏لقي العدو‏)‏ أي من الكفار ‏(‏فصدق الله‏)‏ بتخفيف الدال أي صدق بشجاعته ما عاهد الله عليه، أو بتشديده أي صدقه فيما وعد على الشهادة ‏(‏حتى قتل‏)‏ بصيغة المجهول، أي حتى قاتل إلى أن استشهد‏.‏ قال الطيبي رحمه الله‏:‏ يعني أن الله وصف المجاهدين الذي قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين، فتحرى هذا الرجل بفعله وقالت صابراً فكأنه صدق الله تعالى بفعله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه‏}‏ ‏(‏فذاك‏)‏ أي المؤمن ‏(‏الذي يرفع الناس‏)‏ أي أهل الموقف ‏(‏هكذا‏)‏ مصدر قوله‏:‏ ‏"‏يرفع‏"‏ أي رفعاً مثل رفع رأسي هكذا كما تشاهدون ‏(‏ورفع رأسه حتى وقعت‏)‏ أي سقطت ‏(‏قلنسوته‏)‏ بفتحتين فسكون فضم أي طاقيته، وهذا القول كناية عن تناهي رفعه منزلته ‏(‏فلا أدري‏)‏ هذا قول الراوي عن فضالة بناء على أن قوله ‏"‏حتى وقعت‏"‏ كلام فضالة أو كلام عمر، والمعنى فلا أعلم ‏(‏قلنسوة عمر أراد‏)‏ أي فضالة ‏(‏أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم وإعادته للفصل ‏(‏ورجل مؤمن جيد الإيمان‏)‏ يعني لكن دون الأول في مرتبة الشجاعة ‏(‏فكأنما ضرب‏)‏ أي مشبهاً بمن طعن ‏(‏جلده بشوك طلح‏)‏ بفتح فسكون وهو شجر عظيم من شجر العضاه‏.‏ قال الطيبي‏:‏ إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف، أو عن ارتعاد فرائصه وأعضائه، وقوله ‏(‏من الجبن‏)‏ بيان التشبيه‏.‏ قال القاري‏:‏ الأظهر أن ‏"‏من‏"‏ تعليلية، والجبن ضد الشجاعة، وهما خصلتان جبليتان مركوزتان في الانسان، وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله ونعمة يستوجب العبد بها زيادة درجة ‏(‏أتاه سهم غرب‏)‏ بفتح المعجمة وسكون الراء وفتحها أي مثلاً، والتركيب توصيفي وجوز الإضافة والمعنى لا يعرف راميه ‏(‏فقتله‏)‏ أي ذلك السهم مجازاً ‏(‏فهو في الدرجة الثانية‏)‏ وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف كما روى ‏(‏ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏)‏ الواو بمعنى الباء أو للدلالة على أن كل واحد منها مخلوط بالاَخر، كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏}‏ ‏(‏حتى قتل‏)‏ أي بوصف الشجاعة ‏(‏ورجل مؤمن أسرف على نفسه‏)‏ أي بكثرة المعاصي ‏(‏حتى قتل‏)‏ أي بوصف الشجاعة المفهوم من قوله فصدق الله ‏(‏فذاك في الدرجة الرابعة‏)‏ في الحديث دلالة على أن الشهداء يتفاضلون وليسوا في مرتبة واحدة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الإيمان أن الأول صدق الله في إيمانه لما فيه من الشجاعة، وهذا بذل مهجته في سبيل الله ولم يصدق لما فيه من الجبن، والفرق بين الثاني والرابع أن الثاني جيد الإيمان غير صادق بفعله، والرابع عكسه، فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الإيمان والإخلاص لا يعتريه شيء، وأن مبنى الأعمال على الإخلاص‏.‏ قال القاري‏:‏ فيه أنه لا دلالة للحديث على الإخلاص مع أنه معتبر في جميع مراتب الاختصاص، بل الفرق بين الأوليين بالشجاعة وضدها مع اتفاقهما في الإيمان وصلاح العمل، ثم دونهما المخلط، ثم دونهم المسرف مع اتصافهما بالإيمان أيضاً، ولعل الطيبي أراد بالمخلط من جمع بين نية الدنيا والاَخرة، وبالمسرف من نوى بمجاهدته الغنيمة أو الرياء والسمعة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد ‏(‏عن أشياخ من خولان‏)‏ بفتح الخاء وسكون الواو قبيلة باليمن ومنها أبو يزيد الخولاني‏.‏

1107- باب ما جاء في غَزوِ البَحْر

1650- حدثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن إسْحَاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ عن أنَس بن مالك أنه سَمِعَهُ يقولُ‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ على أُمّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وكانَتْ أُمّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ، فَدَخَلَ عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوماً فأَطْعَمَتْهُ وَجلست تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالت‏:‏ فَقُلْتُ ما يُضْحِكُكَ يَا رسولَ الله‏؟‏ قال‏:‏ نَاسٌ مِنْ أُمّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزَاةً في سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ مُلُوكٌ على الأسِرّةِ، أوْ مِثْلِ المُلُوكِ على الأسِرّةِ‏.‏ قُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي منهم فَدَعَا لها، ثم وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثم اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالت فَقُلْتُ ما يَضْحِكُكَ يَا رسولَ الله‏؟‏ قال‏:‏ نَاسٌ مِنْ أُمّتِي عُرِضُوا عَلَيّ غُزَاةً في سبيلِ الله نَحْوَ ما قالَ في الأوّلِ‏.‏ قَالَتْ‏:‏ فَقُلْتُ يَا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي منهم، قال‏:‏ أنْتِ مِنَ الأوّلِينَ، قال فَرَكِبَتْ أُمّ حَرَامٍ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بنِ أبي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابّتِهَا حينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ فَهَلَكَتْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وأُمّ حَرَامٍ بِنتُ مِلْحَانَ هِيَ أخْتُ أُمّ سُلَيْمٍ، وهي خَالَةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام‏)‏ بفتح المهملتين‏:‏ وهي خالة أنس صحابية مشهورة ماتت في خلافة عثمان، وفي رواية البخاري في الاستئذان‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام ‏(‏وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت‏)‏ هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة، وفي رواية البخاري في باب غزو المرأة في البحر من كتاب الجهاد‏:‏ فتزوجت عبادة بن الصامت فركبت البحار، وفي رواية لمسلم، فتزوج بها عبادة بعد‏.‏ وظاهر هاتين الروايتين أنها تزوجته بعد هذه المقالة، ووجه الجمع أن المراد بقوله‏:‏ وكانت تحت عبادة بن الصامت الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعاً لعياض‏:‏ ذكره الحافظ في الفتح في كتاب الاستئذان، وقد بسط الكلام في هذا هناك فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه ‏(‏وحبسته تفلي رأسه‏)‏ بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام أي تفتش ما فيه من القمل ‏(‏فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا ‏(‏ثم استيقظ وهو يضحك‏)‏ أي فرحاً وسروراً لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام، قائمة بالجهاد حتى في البحر ‏(‏قال ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة‏)‏ جمع غاز كقضاة جمع قاض بالنصب على الحالية، وقوله‏:‏ عرضوا بصيغة المجهول، وعلى بتشديد التحتية ‏(‏يركبون ثبج هذا البحر‏)‏، قال الحافظ‏:‏ الثبج بفتح المثلثة والموحدة ثم جيم ظهر الشيء، هكذا فسره جماعة، وقال الخطابي‏:‏ متن البحر وظهره، وقال الأصمعي‏:‏ ثبج كل شيء وسطه قال‏:‏ والراجح أن المراد هنا ظهره كما وقع في رواية عند مسلم يركبون ظهر البحر ‏(‏ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة‏)‏ بالشك من إسحاق الراوي عن أنس كما في رواية البخاري‏:‏ ووقع في رواية كالملوك على الأسرة من غير شك، وفي رواية‏:‏ مثل الملوك على الأسرة بغير شك أيضاً، وفي رواية لأحمد‏:‏ مثلهم كمثل الملوك على الأسرة، ذكر الحافظ هذه الروايات في الفتح‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ أراد والله اعلم أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكاً على الأسرة في الجنة ورؤياه وحي، وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة ‏{‏على سرر متقابلين‏}‏ وقال ‏{‏على الأرائك متكئون‏}‏ والأرائك السرر في الحجال‏.‏ وقال عياض‏:‏ هذا محتمل ويحتمل أيضاً أن يكون خبراً عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم وقوام أمرهم وكثرة عددهم وجودة عددهم فكأنهم الملوك على الأسرة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفي هذا الاحتمال بعد والأول أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة أو موقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثبتوا به على جهادهم ملوك الدنيا على أسرتهم، فالتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع ‏(‏فدعا لها‏)‏ وفي رواية‏:‏ اللهم اجعلها منهم، وفي رواية لمسلم‏:‏ فإنك منهم، ويجمع بأنه دعا لها فأجيب فأخبرها جازماً بذلك ‏(‏نحو ما قال في الأول‏)‏ ظاهره أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضاً‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ولكن رواية عمير بن الأسود تدل على أن الثانية إنما غزت في البر لقوله‏:‏ يغزون مدينة قيصر، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البر وأقره، وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان لا خصوص ركوب البحر‏.‏ ويحتمل أن يكون بعض اعسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها وعلى أن يكون المراد ما حكى ابن التين فتكون الأولية مع كونها في البر مقيدة بقصد مدينة قيصر وإلا فقد غزوا قبل ذلك في البر مراراً‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة‏.‏ والثانية في أول من غزا البحر من التابعين‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ بل كان في كل منهما من الفريقين لكن معظم الأولى من الصحابة والثانية بالعكس‏.‏ وقال عياض والقرطبي‏:‏ في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن في كل نومه عرضت طائفة من الغزاة، وأما قول أم حرام‏:‏ أدع الله أن يجعلى منهم في الثانية فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة فسألت ثانياً ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها في المرة الأولى وفي جزمه بذلك‏.‏

قال الحافظ‏:‏ لا تنافي بين إجابة دعائه وجزمه بأنها من الأولين وبين سؤالها أن تكون من الاَخرين لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية فجوزت أنها تدركها فتغزو معهم ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية، فكان كما قال صلى الله عليه وسلم انتهى ‏(‏أنت من الأولين‏)‏ قال النووي‏:‏ هذا دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى وأنه عرض فيه غير الأولين ‏(‏فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان‏)‏ ظاهره يوهم أن ذلك كان في خلافة معاوية وليس كذلك، وقد اغتر بظاهره بعض الناس فوهم، فإن القصة إنما وردت في حق أول من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلّما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر فأذن له، ونقله أبو جعفر الطبري عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم‏.‏ ويكفي في الرد عليه التصريح في الصحيح بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر‏.‏ ونقل أيضاً من طريق خالد بن معدان قال‏:‏ أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان وكان استأذن عمر فلم يأذن له فلم يزل بعثمان حتى أذن له وقال‏:‏ لا تنتخب أحداً بل من اختار الغزو فيه طائعاً فأعنه ففعل، كذا في الفتح ‏(‏فصرعت‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت‏)‏ وفي رواية‏:‏ فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت‏.‏ وفي رواية عند أحمد‏:‏ فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت‏.‏ وفي رواية‏:‏ فوقعت فاندقت عنقها‏.‏ والحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت‏.‏

تنبيه‏:‏

قد أشكل على جماعة نومه صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وتفليتها رأسه، فقال النووي‏:‏ اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره‏:‏ كانت إحدى خالاته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وقال آخرون‏:‏ بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار انتهى‏.‏

قلت‏:‏ في ادعائه الإنفاق نظر ظاهر، على أن في كونها محرماً له صلى الله عليه وسلم تأملاً، فقد بالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية فقال‏:‏ ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية، لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعته معلومات ليس فيهن أحد من الأنصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرمية لأنها خؤولة مجازية، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص‏:‏ هذا خالي لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمة آمنة، وليس سعد أخاً لاَمنة لا من النسب ولا من الرضاعة انتهى‏.‏

وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم لأنه كان معصوماً يملك إربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقولة رفث‏.‏

ورده عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل‏.‏

قيل‏:‏ يحمل دخوله عليها أنه كان قبل الحجاب‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جزماً، وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع‏.‏

وقال الدمياطي‏:‏ ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها، فلعل كان ذاك مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وهو احتمال قوي لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر، ثم قال‏:‏ وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل، لأن الدليل على ذلك واضح والله أعلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

1108- باب ما جَاءَ فيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدّنْيَا

1651- حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عن الأعْمَشِ عن شَقِيق بن سلمة عن أبي مُوسَى قال‏:‏ ‏"‏سُئِلَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الرّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيّةً ويُقَاتِلُ رِيَاءً فأَيّ ذَلِكَ في سبيلِ الله‏؟‏ قال‏:‏ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هيَ العُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ الله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن عُمرَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1652- حدثنا محمدُ بنُ المثَنّى حدثنا عبدُ الوَهّابِ الثّقَفِيّ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ عن محمدِ بنِ إبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ بنِ وَقّاصٍ اللّيْثِيّ عن عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قال‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّمَا الأعْمَالُ بالنّيّةِ، وَإِنّمَا لامرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وإلى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله ورَسُولِهِ، ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رَوَى مالكُ بنُ أنَسٍ وسُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَغَيْرُ واحِدٍ منَ الأئِمّةِ هذا عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ ولا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصاري قال عبدالرحمن بن مهدى‏:‏ ينبغي أن يضع هذا الحديث في كل باب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة‏)‏ أي ليذكر بين الناس ويوصف بالشجاعة ‏(‏ويقاتل حمية‏)‏ أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو صاحب ‏(‏ويقاتل رياء‏)‏ أي ليرى الناس منزلته في سبيل الله‏.‏ وفي رواية البخاري في الجهاد ليرى مكانه ‏(‏من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله‏)‏ قال الحافظ‏:‏ المراد بكلمة الله ودعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط بمعنى أنه لو أضاف إلى ذلك سبباً من الأسباب المذكورة أخل بذلك، ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمناً لا أصلاً ومقصوداً، وبذلك صرح الطبري فقال‏:‏ إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك، وبذلك قال الجمهور، لكن روى أبو داود والنسائي من حديث أبو أمامة بإسناد جيد قال‏:‏ جاء رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ماله‏؟‏ قال لا شيء له، فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول لا شيء له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجهه‏.‏ ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معاً على حد واحد فلا يخالف المرجح أولاً، فتصير المراتب خمساً‏:‏ أن يقصد الشيئين معاً، أو يقصد أحدهما صرفاً، أو يقصد أحدهما ويحصل الاَخر ضمناً، فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمناً وقد لا يحصل، ويدخل تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى ودونه أن يقصدهما معاً فهو محذور أيضاً على ما دل عليه حديث أبي أمامة‏.‏ والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفاً وقد يحصل غير الإعلاء وقد لا يحصل عير الاعلاء وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضاً‏.‏ قال ابن أبي جمرة‏:‏ ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمناً لا يقدح في الإعلاء إذا كان الاعلاء هو الباعث الأصلي ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال‏:‏ بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئاً فقال‏:‏ اللهم لا تكلهم إلى الحديث، قال‏:‏ وفي الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر، وفي ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال لحظ النفس في غير الطاعة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر‏)‏ أخرجه الترمذي بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما الأعمال‏)‏ قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم‏:‏ لفظه ‏"‏إنما‏"‏ موضوعة للحصر نثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية قاله النووي‏:‏ والأعمال أعم من أن تكون أقوالاً أو أفعالاً، فرضاً أو نفلاً، قليلة أو كثيرة، صادرة من المكلفين المؤمنين ‏(‏بالنية‏)‏ بالإفراد، ووقع في رواية البخاري في أول صحيحه ‏"‏بالنيات‏"‏ بالجمع‏.‏ قال الحافظ كذا أورد هنا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع أي كل عمل بنيته‏.‏ وقال الحربي‏:‏ كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل موعوده أو الانقاء لوعيده، ووقع في معظم الروايات بإفراد النية، ووجهه أن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو أحد للواحد الذي لا شريك له انتهى‏.‏

قال النووي‏:‏ والنية القصد وهو عزيمة القلب، وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد‏.‏ وقال البيضاوي‏:‏ النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضرر حالا أو مآلاً، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليصح تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فقيل تعتبر وقيل‏:‏ تكمل، وقيل‏:‏ تصح، وقيل‏:‏ تحصل، وقيل تستقر، وقيل‏:‏ الكون المطلق، قال البلقيني‏:‏ هو الأحسن‏.‏ قال الطيبي‏:‏ كلام الشارع محمول على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي انتهى ‏(‏وإنما لامريء ما نوى‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال القرطبي‏:‏ فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال فجنح إلى أنها مؤكدة‏.‏ وقال غيره‏:‏ بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية بصاحبها فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه‏.‏ وقال ابن دقيق العيد‏:‏ الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له يعني إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله ما يعذر شرعاً بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ومراده بقوله ما لم ينوه أي لا خصوصاً ولا عموماً أما إذا لم ينو شيئاً مخصوصاً لكن كانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلف فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصي‏.‏ وقد يحصل غير المتوى لمدرك آخر كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها، لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة فإنه لا يحصل له غسل الجمعة على الراجح لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلا بد من القصد إليه بخلاف تحية المسجد والله أعلم‏.‏

وقال النووي‏:‏ أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي‏.‏ كمن عليه صلاة فائته لا يكفيه أن ينوي الفائتة فقط حتى يعينها ظهراً مثلاً أو عصراً ولا يخفي أن محله ما إذا لم تنحصر الفائتة ‏(‏فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله‏)‏ الهجرة الترك، والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين‏:‏ الأول‏:‏ الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة‏.‏ الثاني‏:‏ الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً‏.‏

فإن قيل‏:‏ الأصل تغاير الشرط والجزاء وقد وقعا في هذا الحديث متحدين‏.‏

فالجواب‏:‏ أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق، ومن أمثلته قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً‏"‏ وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقولهم‏:‏ أنت أنت أي الصديق الخالص، وقولهم‏:‏ هم هم أي الذين لا يقدر قدرهم، وقول الشاعر‏:‏

أنا أبو النجم وشعري وشعري ***

أو هو مؤول على إقامة السبب مقام السبب لاشتهار السبب‏.‏ وقال ابن مالك‏:‏ قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة وعدم التغير فيتحد بالمبتدأ لفظاً كقول الشاعر‏:‏

خليلي خليلي دون ريب وربما *** ألان امرؤ قولاً فظن خليلا

وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك‏:‏ من قصدني فقد قصدني أي فقد قصد من عرف بإنجاح قاصده، وقال غيره‏:‏ إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر والشرط والجزاء علم منهما المبالغة إما في التعظيم وإما في التحقير ‏(‏إلى الدنيا‏)‏ بضم الدال وبكسر وهي فعلي من الدنو وهو القرب لدنوها إلى الزوال أو لقربها من الاَخرة مناً، ولا تنون لأن ألفها مقصورة للتأنيث أو هي تأنيث أدنى، وهي كافية في منع الصرف وتنويهاً في لغة شاذة، ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت كرجعي ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى‏.‏ واختلفوا في حقيقتها، فقيل هي اسم مجموع هذا العالم المتناهي، وقيل هي ما على الأرض من الجو والهواء أو هي كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الاَخرة‏.‏ قال النووي‏:‏ وهذا هو الأظهر، ويطلق على كل جزاء منها مجازاً وأريد ههنا شيء من الحظوظ النفسانية ‏(‏يصيبها‏)‏ أي يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية، شبه حصولها بإصابة السهم للغرض، والأظهر أنه حال أي يقصد إصابتها ‏(‏أو امرأة بتزوجها‏)‏ خصت بالذكر تنبيهاً على سبب الحديث، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ كما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود‏:‏ كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، قال‏:‏ فكنا نسميه مهاجر أم قيس‏.‏ وفيه إشارة إلى أنه مع كونه قصد في ضمن الهجرة سنة عظمية أبطل ثواب هجرته فكيف يكون غيره‏؟‏ أو دلالة على أعظم فتن الدنيا لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏زين للناس حب الشهوات من النساء‏"‏ ولقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء‏"‏ لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها ولقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة‏"‏ ‏(‏فهجرته إلى ما هاجر إليه‏)‏ أي منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه فلا ثواب له لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏من كان يريد حرث الاَخرة نرد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاَخرة من نصيب‏"‏ أو المعنى فهجرته مردودة أو قبيحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ إن هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الإئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغتر بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قال السيوطي في شرح الموطأ في رواية محمد بن الحسن عن مالك أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت منها حديث‏:‏ إنما الأعمال بالنية الحديث، وبذلك يتبين قول من عزا روايته إلى الموطأ، ووهم من خطأه في ذلك انتهى‏.‏

تنبيه‏:‏

قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث‏.‏ قال أبو عبد الله‏:‏ ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، واتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي فيما نقله البويطي عنه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة والكناني على أنه ثلث الإسلام، ومنهم من قال ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي‏.‏ وقال ابن مهدي أيضاً‏:‏ يدخل في ثلاثين باباً من العلم‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يدخل في سبعين باباً، ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة‏.‏ وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضاً‏:‏ ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب ووجه البيهقي كونه ثلاث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد نية المؤمن من خير من عمله، فإذا نظرت إليها كانت خير الأمرين، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده وهي هذا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، والحلال بين والحرام بين‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن هذا الحديث المبارك يستأهل أن يفرد لشرحه جزء مبسوط بجيمع فوائده، وما يستنبط منه من الأحكام وغير ذلك، وقد أطنب في شرحه شراح البخاري كالحافظ ابن حجر والعيني وغيرهما إطناباً حسناً مفيداً، وإني قد اقتصرت الكلام في شرحه على ما لا بد منه، فعليك أن تراجع شروح البخاري‏.‏

1109- باب ما جاء في الغُدُوّ والرّوَاحِ في سبيلِ الله

أي الجهاد

1653- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا العَطّافُ بنُ خالِدٍ المَخْزُومِيّ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بنِ سَعْدِ السّاعِدِيّ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏غُدْوَةٌ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبّاسٍ وأبي أيّوبَ وأنَسٍ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1654- حدثنا أبو سَعِيدٍ الأشَجّ حدثنا أبو خَالِدٍ الأحْمَرُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن أبي حَازِمٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ والْحَجّاجُ عن الحَكَمِ عَنْ مقْسِمٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏غدْوَةٌ في سَبِيلِ الله أوْرَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فِيهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏ وأبو حَازِمٍ الذي رَوَى عن سهل بن سعد هو أبو حازم الزاهر وهو مدني واسمه سلمة بن دينار وأبو حازم هذا الذي روى عن أبي هُرَيْرَةَ هو أبو حازم الاشجعي الكُوفِيّ واسْمُهُ سَلْمَانُ وهو مَوْلَى عَزّةَ الأشْجَعِيّةِ‏.‏

1655- حدثنا عُبَيْدُ بنُ أسْبَاطِ بنِ محمد القرشي الكوفي حدثنا أبي عن هِشَامٍ بنِ سَعْدٍ عن سَعِدِ بن أبي هِلاَلٍ عن أبي ذُبَابٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قال‏:‏ مَرّ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِشِعْبٍ فيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاء عَذْبَةٌ فأعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا، فقال‏:‏ لَو اعْتَزَلْتُ الناسَ فَأَقَمْتُ في هذا الشّعْبِ وَلَنْ أفْعَلَ حتى أسْتَأْذِنَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذلكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏لا تَفْعَلْ فإنّ مقَامَ أحَدِكُمْ في سَبيلِ الله أفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ سَبْعِينَ عاماً، ألاَ تُحِبّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ، ويُدْخلَكُمْ الْجَنّةَ‏؟‏ اغْزُوا في سَبِيلِ الله مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏

1656- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لَغَدْوَة في سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ولَقَابُ قَوْسِ أحَدِكُم أو مَوضِعُ يَدِهِ في الْجَنّةِ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، وَلَوْ أنّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنّةِ اطّلَعَتْ إلى الأرضِ لأَضَاءَتْ ما بَيْنَهُمَا ولملأت ما بينهما رِيحاً ولنصِيفُهَا على رأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لغدوة في سبيل الله أو روحه‏)‏ قال الحافظ‏:‏ الغدوة بالفتح‏:‏ المرة الواحدة من الغدو وهو الخروج في أي وقت كان من أول النهار إلى انتصافه، والروحة المرة الواحدة من الرواح وهو الخروج في أي وقت كان من زوال الشمس إلى غروبها ‏(‏خير من الدنيا وما فيها‏)‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع، فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا ذرة مما في الجنة، والثاني أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها في طاعة الله تعالى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويؤيد الثاني ما رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد من مرسل الحسن قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم عبد الله ابن رواحة فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي نفسي بيده لو انفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم‏.‏ والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أمر عظيم من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل منها أعلى الدرجات، والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا‏.‏ فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا ‏(‏ولقاب قوس أحدكم‏)‏ أي قدره، والقاب بالقاف وآخره موحدة معناه القدر، وقيل القاب ما بين مقبض القوس وسيته، وقيل ما بين الوتر والقوس، وقيل المراد بالقوس هنا الذراع الذي يقاس به، وكأن المعنى بيان فضل قدر الذراع من الجنة ‏(‏أو موضع يده شك من الراوي أي مقدار يده ‏(‏خير من الدنيا وما فيها‏)‏ أي من إنفاقها فيها لو ملكها، أو نفسها لو ملكها لأنه زائل لا محالة ‏(‏أطلعت إلى الأرض‏)‏ أي أشرفت عليها ونظرت إليها ‏(‏لأضاءت ما بينهما‏)‏ أي ما بين المشرق والمغرب، أو ما بين السماء والأرض، وما بين الجنة والأرض وهو الأظهر لتحقق ذكرهما في العبارة صريحاً قاله القاري ‏(‏ولملأت ما بينهما ريحاً‏)‏ أي طيبة ‏(‏ولنصيفها‏)‏ بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء هو الخمار بكسر المعجمة وتخفيف الميم ‏(‏على رأسها‏)‏ قيد به تحقيراً له بالنسبة إلى خمار البدن جميعه ‏(‏خير من الدنيا وما فيها‏)‏ أي فكيف الجنة نفسها وما بيها من نعيمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا العطاف بن خالد المخزومي‏)‏ قال في التقريب‏:‏ عطاف بتشديد الطاء بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي أبو صفوان المدني يهم من السابعة مات قبل مالك انتهى ‏(‏عن أبي حازم‏)‏ هو ابن دينار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏غدوة‏)‏ وعند البخاري الروحة والغدوة، وعند ابن ماجه غدوة أو روحة ‏(‏وموضع سوط في الجنة‏)‏ خص الصوت لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقي سوطه قبل أن ينزل معلماً بذلك المكان لئلا يسبقه إليه أحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وأنس‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضاً الترمذي في هذا الباب، وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وأما حديث أنس فقد رواه الترمذي وهو أول أحاديث الباب فلعله أشار إلى ما أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه عنه بلفظ‏:‏ غدوة في سبيل الله أو روحة فيه خير من الدنيا وما فيها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والحجاج عن الحكم‏)‏ يحتمل أن يكون عطفاً على ابن عجلان فيكون لأبي خالد الأحمر شيخان أحدهما ابن عجلان وهو روى عن أبي حازم عن أبي هريرة والثاني الحجاج وهو روى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، ويحتمل أن يكون عطفاً على أبي خالد الأحمر فيكون لأبي سعيد الأشج شيخان أحدهما أبو خالد والثاني الحجاج، فليتأمل‏.‏ والحجاج هذا هو ابن دينار الواسطي، قال في التقريب‏:‏ لا بأس به وله ذكر في مقدمة مسلم من السابعة انتهى‏.‏ والحكم هو ابن عتيبة الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد بن أبي هلال‏)‏ قال في التقريب‏:‏ سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري قبل مدني الأصل وقال ابن يونس‏:‏ بل نشأ بها، صدوق لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط من السادسة انتهى‏.‏ وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة في الهند عن سعد بن أبي هلال وهو غلط فاحش فإنه ليس في الرجال من اسمه سعد بن أبي هلال ‏(‏عن ابن أبي ذباب‏)‏ هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن سعد بن أبي ذباب، بضم المعجمة وموحدتين ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشعب‏)‏ قال في القاموس‏:‏ الشعب بالكسر الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض، أما انفرج بين الجبلين انتهى‏.‏ والظاهر أن المراد هنا هو المعنى الأخير ‏(‏فيه عيينة‏)‏ تصغير عين بمعنى المنبع ‏(‏من ماء‏)‏ قال الطيبي‏:‏ صفة عيينة جيء بها مادحه لأن التنكير فيها يدل على نوع ماء صاف تروق بها الأعين وتبهج به الأنفس ‏(‏عذبه‏)‏ بالرفع صفة عيينة وبالجر على الجوار أي طيبة أو طيب ماؤها‏.‏ قال الطيبي‏:‏ وعذبة صفة أخرى مميزة لأن الطعم الألذ سائغ في المريء، ومن ثم أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن الناس ‏(‏فأعجبته‏)‏ أي العيينة وما يتعلق بها من المكان ‏(‏فقال‏)‏ أي الرجل ‏(‏لو اعتزلت الناس‏)‏ لو للتمني ويجوز أن تكون لو امتناعية، وقوله‏:‏ ‏(‏فأقمت في هذا الشعب‏)‏ عطف على اعتزلت، وجواب لو محذوف أي لكان خيراً لي ‏(‏فذكر ذلك‏)‏ أي ما خطر بقلبه ‏(‏فقال لا نفعل‏)‏ نهى عن ذلك لأن الرجل صحابي وقد وجب عليه الغزو، فكان اعتزاله للتطوع معصية لاستلزامه ترك الواجب، ذكره ابن الملك تبعاً للطيبي ‏(‏فإن مقام أحدكم‏)‏ قال القاري بفتح الميم أي قيامه‏.‏ وفي نسخة يعني من المشكاة بضمها وهي الإقامة بمعنى ثبات أحدكم ‏(‏في سبيل الله‏)‏ أي بالاستمرار في القتال مع الكفار خصوصاً في خدمة سيد الأبرار ‏(‏أفضل من صلاته في بيته‏)‏ يدل على أن طلبه كان مفضولاً لا محرماً ‏(‏سبعين عاماً‏)‏ قال القاري‏:‏ المراد به الكثرة لا التحديد فلا ينافي ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة، رواه الحاكم عن عمران بن حصين، وقال على شرط البخاري‏.‏ ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه‏:‏ قيام أحدكم انتهى‏.‏ ‏(‏ألا‏)‏ بالتخفيف للتنبيه ‏(‏تحبون أن يغفر الله لكم‏)‏ أي مغفرة تامة ‏(‏يدخلكم الجنة‏)‏ أي إدخالاً أولياً ‏(‏اغزوا في سبيل الله‏)‏ أي دوموا على الغزو في دينه تعالى ‏(‏من قاتل في سبيل الله فواق ناقة‏)‏ قال في القاموس‏:‏ الفواق كغراب هو ما بين الحلبتين من الوقت ويفتح، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع انتهى‏.‏ وقال في المجمع‏:‏ هو ما بين الحلبتين لأنها تحلب ثم تترك سريعة ترضع الفصيل لتدر ثم تحلب انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ورواه أحمد من حديث أبي أمامة أطول منه إلا أنه قال‏:‏ ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة، كذا في الترغيب‏.‏

1110- باب ما جاءَ أيّ الناسِ خَيْر

1657- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا ابنُ لَهِيعَةَ عن بُكَيْر بن عبدالله بن الأشَجّ عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عن ابنِ عباسٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النّاسِ‏؟‏ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ الله، ألاَ أُخْبِرُكُمْ بالّذِي يَتْلُوهُ‏؟‏ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ في غُنَيْمَةٍ له يُؤَدّي حَقّ الله فيها، ألاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَرّ النّاسِ‏؟‏ رَجُلٌ يُسْأَلُ بالله ولا يُعْطِي بهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏ ويُرْوَى هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجل ممسك بعنان فرسه‏)‏ وفي رواية‏:‏ آخذ برأس فرسه ‏(‏بالذي يتلوه‏)‏ وفي رواية بالذي يليه ‏(‏رجل معتزل في غنيمة له‏)‏ تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء والمراد قطعة غنم، قال النووي‏:‏ في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة وفي ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء‏:‏ أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف من الزهاد أن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث‏:‏ وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم‏.‏ وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والعلماء والزهاد مختلطين ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك انتهى‏.‏ ‏(‏رجل يسأل بالله ولا يعطي به‏)‏ هذا يحتمل الوجهين أحدهما أن قوله ‏"‏يسأل‏"‏ بلفظ وقوله ‏"‏يعطي‏"‏ على بناء المعلوم، أي شر الناس من يسأل منه صاحب حاجة بأن يقول اعطني لله وهو بقدر ولا يعطي شيئاً بل يرده خائباً، والثاني أن يكون قوله يسأل على بناء المعلوم وقوله لا يعطي على بناء المفعول، أي يقول اعطني بحق الله ولا يعطي‏.‏ قال في المجمع‏:‏ هذا مشكل إلا أن يتهم السائل بعدم استحقاقه‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ الباء كالباء في كتبت بالقلم أي يسأل بواسطة ذكر الله أو للقسم والاستعطاف أي بقول السائل‏:‏ اعطوني شيئاً بحق الله‏.‏ وهذا مشكل إلا أن يكون السائل متهماً بحق الله ويظن أنه غير مستحق انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه، ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً كذا في الترغيب‏.‏

1111- باب ما جاءَ فِيمَنْ سَأَلَ الشّهَادَة

1658- حدثنا محمدُ بنُ سَهْلِ بنِ عَسْكَرٍ البغدادي حدثنا القَاسِمُ بنُ كَثِيرٍ المصري حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ شُرَيْحٍ أنّهُ سَمِعَ سَهْلَ بنَ أبي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ يُحَدّثُ عن أبيهِ عن جَدّهِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ سَأَلَ الله الشّهَادَةَ مِنْ قَلْبِهِ صَادِقاً بَلّغَهُ الله مَنَازِلَ الشّهَدَاءِ وإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديث سهل بن حنيف حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ شُرَيْحٍ، وقد رَوَاهُ عبدُ الله بنُ صَالحٍ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ شُرَيْحٍ‏.‏ وعبدُ الرحمنِ بنُ شُرَيْحٍ يُكْنَى أبَا شُرَيْحٍ وهو اسْكَنْدَرَانِيّ‏.‏

وفي البابِ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ‏.‏

1659- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمانَ بنِ مُوسى عن مالِكِ بنِ يخَامِرَ السّكْسَكِيّ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏من سَأَلَ الله القَتْلَ في سَبِيلِهِ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ أعْطَاهُ الله أجْرَ الشهادة‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سليمان بن موسى‏)‏ الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل من الخامسة ‏(‏عن مالك بن يخامر‏)‏ بفتح التحتانية والمعجمة وكسر الميم ‏(‏السكسكي‏)‏ الحمصي صاحب معاذ، مخضرم ويقال له صحبة، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من سأل الله القتل في سبيله‏)‏ أي الشهادة ‏(‏صادقاً من قلبه‏)‏ قيد به لأنه معيار الأعمال ومفتاح بركاتها ‏(‏أعطاه الله أجر الشهيد‏)‏ أي وإن لم يقتل في سبيله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي والحاكم كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا القاسم بن كثير‏)‏ بن النعمان الإسكندري أبو العباس القاضي صدوق من العاشرة ‏(‏حدثنا عبد الرحمن بن شريح‏)‏ بن عبد الله المعافري أبو شريح الإسكندراني ثقة فاضل لم يصب ابن سعد في تضعيفه من السابعة ‏(‏أنه سمع سهل بن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف‏)‏ الأناصري المدني نزيل مصر ثقة من الخامسة مات بالإسكندرية ‏(‏يحدث عن أبيه‏)‏ أي أبي أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد وقيل سعد معروف بكنيته معدود في الصحابة له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏عن جده‏)‏ أي سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي صحابي من أهل بدر، واستخلفه علي على البصرة ومات في خلافته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من سأل الله شهادة‏)‏ أي الموت شهيداً ‏(‏بلغه‏)‏ بتشديد اللام أي أوصله ‏(‏الله منازل الشهداء‏)‏ مجازاة له على صدق طلبه ‏(‏وإن مات على فراشه‏)‏ بكسر أوله، أي ولو مات غير شهيد فهو في حكم الشهداء وله ثوابهم‏.‏ قال القاري‏:‏ لأن كلا منهما نوى خيراً وفعل مقدوره فاستويا في أصل الأجر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد رواه عبد الله بن صالح‏)‏ بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة‏.‏ قاله في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح وغيره‏.‏ وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة الحسن بن علي الخلال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن معاذ بن جبل‏)‏ قد أخرج الترمذي حديثه في هذا الباب فلعله أشار إلى ما روى أبو داود عنه مرفوعاً‏:‏ من قاتل في سبيل الله فوافق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد الحديث‏.‏

1112- باب ما جاءَ في المُجَاهِدِ والنّاكِحِ والمكاتب وعَوْنِ الله إيّاهُم

1660- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ عَجْلاَنَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هريرةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثَلاَثَةٌ حَقّ على الله عَوْنُهُمْ‏:‏ المُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله، والمُكَاتَبُ الّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، والنّاكِحُ الّذِي يُرِيدُ العَفَافَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى حديثٌ حسنٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثلاثة حق على الله عونهم‏)‏ أي ثابت عنده إعانتهم، أو واجب عليه بمقتضى وعده معاونتهم ‏(‏المجاهد في سبيل الله‏)‏ أي بما يتيسر له الجهاد من الأسباب والاَلات ‏(‏والمكاتب الذي يريد الأداء‏)‏ أي بدل الكتابة ‏(‏والناكح الذي يريد العفاف‏)‏ أي العفة من الزنا‏.‏ قال الطيبي‏:‏ إنما آثر هذه الصيغة إيذاناً بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمة النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن جرح‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏جرحاً‏)‏ بضم الجيم وبالفتح هو المصدر أي جراحة كائنة ‏(‏في سبيل الله‏)‏ بسلاح من عدو ‏(‏أو نكب‏)‏ بصيغة المجهول أو أصيب ‏(‏نكبة‏)‏ بالفتح أي حادثة فيها جراحة من غير العدو، فأو للتنويع، قيل الجرح والنكبة كلاهما واحد، وقيل الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه‏.‏ قال القاري هذا هو الصحيح‏.‏ وفي النهاية نكب أصبعه أي نالتها الحجارة، والنكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث ‏(‏فإنها‏)‏ أي النكبة التي فيها الجراحة ‏(‏تجيء يوم القيامة‏)‏ قال الطيبي‏:‏ قد سبق شيئان الجرح والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة فأعاد الضمير إلى النبكة، دلالة على أن حكم النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعاليى‏:‏ ‏"‏والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها‏"‏ انتهى‏.‏ قال القاري‏:‏ أو يقال إفراد الضمير باعتبار أن مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله فهي تظهر وتتصور ‏(‏كأغزر ما كانت‏)‏ أي كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر يعني حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته انتهى ‏(‏لونها الزعفران وريحها كالمسك‏)‏ كل منهما تشبيه بليغ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال صحيح على شرطهما كذا في الترغيب‏.‏

1113- باب ما جاءَ فيمن يُكْلَمُ في سَبِيلِ الله

1661- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لاَ يُكلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ الله- والله أعْلَمُ بِمَنْ يُكلَمُ في سَبِيلِهِ- إلاّ جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ اللّوْنُ لَوْن الدّمِ، والريْحُ ريحُ المِسْكِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

1662- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ عن سُلَيْمَانَ بنِ موسى عن مالِكِ بنِ يخَامِرَ عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ الله مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحاً في سَبِيلِ الله أو نُكِبَ نَكْبَةً فإنها تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كأَغْزَرَ ما كانَتْ لَوْنُهَا الزّعْفَرَانُ ورِيحُهَا كالمسْكِ‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يكلم‏)‏ بضم أوله وسكون الكاف وفتح اللام أي يجرح ‏(‏أحد في سبيل الله‏)‏ قال السيوطي‏:‏ أي سواء مات صاحبه منه أم لا كما يؤخذ من رواية الترمذي ‏(‏والله أعلم بمن يكلم في سبيله‏)‏ جملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا‏.‏ قالوا‏:‏ وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار، فيدخل فيه من خرج في سبيل الله في قتال البغاة وقطاع الطريق وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ‏(‏إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح مسك‏.‏ قال النووي‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وجرحه يثعب‏"‏ هو بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما ومعناه يجري متفجراً أي كثيراً، قال‏:‏ والحكمة في مجيئه يوم القيامة كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

1114- باب ما جاء أي الأَعْمَال أَفْضَل

1663- حدثنا أبو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن محمدِ بنِ عَمْرٍو حدثنا أبو سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنهُ قال‏:‏ ‏"‏سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ وأي الأعمال خير‏؟‏ قالَ‏:‏ إيمانٌ بالله ورَسُولِهِ، قيلَ‏:‏ ثُمّ أيّ شَيْءٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ الجهَادُ سنَامُ العَمَلِ، قيلَ‏:‏ ثُمّ أيّ شَيْء يَا رَسُولَ الله‏؟‏ قالَ‏:‏ ثمّ حَجّ مَبْرُورٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ قد روِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏(‏حدثنا عبدة‏)‏ هو ابن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي ‏(‏عن محمد بن عمرو‏)‏ ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إيمان‏)‏ التنكير للتفخيم ‏(‏قيل‏:‏ ثم أي شيء‏؟‏ قال‏:‏ الجهاد سنام العمل‏)‏ وفي رواية البخاري‏:‏ قيل ثم ماذا‏؟‏ قال‏:‏ الجهاد في سبيل الله، وهو ظاهر‏.‏ وأما رواية الترمذي هذه، فالظاهر أن الجواب فيها محذوف وأقيم دليله مقامه، والتقدير‏:‏ قيل ثم أي شيء‏؟‏ قال الجهاد في سبيل الله فإنه سنام العمل‏.‏ هذا ما عندي والله أعلم‏.‏ وسنام كل شيء أعلاه ‏(‏ثم حج مبرور‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل هو‏:‏ المقبول المقابل بالبر وهو الثواب، يقال بر حجه وبر حجه وبر الله حجه وأبره براً بالكسر وأبراراً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان والنسائي‏.‏

1115- باب ما ذكر أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف

1664- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ الضّبَعِيّ عن أبي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ عن أبي بَكْرِ بنِ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيّ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ أبِي بِحَضْرَةِ العَدُوّ يقولُ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ أبْوَابَ الْجَنّةِ تَحْتَ ظِلاَلِ السّيُوفِ، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ رَثّ الْهَيْئَةِ‏:‏ أأنْتَ سَمِعْتَ هذا من رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُه‏؟‏ قالَ‏:‏ نَعَمْ، فَرَجَعَ إلى أصْحَابِهِ فقالَ‏:‏ أَقْرَأ عَلَيْكُمُ السّلاَمَ، وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَضَرَبَ بهِ حتى قُتِلَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيح غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمانَ الصبحى وأبو عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ اسْمُهُ عبدُ المَلِكِ بنُ حَبِيبٍ‏.‏ وأبو بَكْرِ بن أبي مُوسَى قالَ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ هُوَ اسْمُهُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بحضرة العدو‏)‏ قال النووي‏:‏ هو بفتح الحاء وضمها وكسرها ثلاث لغات، ويقال أيضاً بحضر الفتح الحاء والضاد بحذف الهاه انتهى ‏(‏أن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال العلماء معناه أن الجهاد وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب لدخولها‏.‏ وقال المناوي‏:‏ هو كناية عن الدنو من العدو في الحرب بحيث تعلوه السيوف بحيث يصير ظلها عليه يعني الجهاد طريق إلى الوصول إلى أبوابها بسرعة، والقصد الحث على الجهاد ‏(‏رث الهيئة‏)‏ قال في النهاية‏:‏ متاع رث أي خلق بال ‏(‏فرجع‏)‏ أي الرجل ‏(‏إلى أصحابه‏)‏ أي من أهل رحمه ‏(‏قال أقرأ عليكم السلام‏)‏ أي سلام مودع ‏(‏وكسر جفن سيفه‏)‏ هو بفتح الجيم وإسكان الفاء وبالنون‏:‏ وهو غمده ‏(‏فضرب به حتى قتل‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ ثم كسر جفن سيفه فألقاه ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هو اسمه‏)‏ يعني اسم كنيته‏.‏

1116- باب ما جاءَ أيّ النّاسِ أفْضَل

1665- حدثنا أبو عَمّارٍ حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عن الأوْزَاعِيّ حدثنا الزّهْرِيّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللّيْثِيّ عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ‏:‏ ‏"‏سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أيّ النّاسِ أفْضَلُ‏؟‏ قالَ‏:‏ رَجُلٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله، قالوا‏:‏ ثُمّ مَنْ‏؟‏ قالَ‏:‏ ثم مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشّعَابِ يَتّقِي رَبّهُ وَيَدَعُ النّاسَ منْ شَرّهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أي الناس أفضل‏؟‏‏)‏ قال القاضي‏:‏ هذا عام مخصوص وتقديره‏:‏ هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث ‏(‏رجل‏)‏ وفي رواية الشيخين‏:‏ مؤمن بدل رجل، قال الحافظ‏:‏ وكان المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذ يظهر فضل المجاهدات لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الاَثام فقد لا يفي هذا بهذا وهو مقيد بوقوع الفتن انتهى ‏(‏يجاهد في سبيل الله‏)‏ زاد الشيخان‏:‏ بنفسه وماله ‏(‏ثم مؤمن‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ ثم رجل معتزل ‏(‏في شعب من الشعاب‏)‏ قال النووي‏:‏ الشعب ما انفرج بين الجبلين وليس المراد نفس الشعب بل المراد الانفراد والاعتزال وذكر الشعب مثالاً لأنه خال عن الناس غالباً‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفي الحديث فضل الانفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلاً فقال الجمهور‏:‏ محل ذلك عند وقوع الفتن كما سيأتي بسطه في الفتن، ويؤيد ذلك رواية بعجة بن عبد الله عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه، ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير‏.‏ أخرجه مسلم وابن حبان من طريق أسامة بن زيد الليثي عن بعجة‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ إنما وردت هذه الأحاديث بذكر الشعب والجبل لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى انتهى ‏(‏يتقي ربه‏)‏ أي يخافه فيما أمر ونهى ‏(‏ويدع‏)‏ أي يترك ‏(‏الناس من شره‏)‏ فلا يخاصمهم ولا ينازعهم في شيء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم بإسناد على شرطهما ولفظه قال‏:‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي المؤمنين أكمل إيماناً‏؟‏ قال الذي يجاهد بنفسه وماله، ورجل يبعد الله في شعب من الشعب وقد كفى الناس شره‏.‏ كذا في الترغيب‏.‏

1117- باب في ثواب الشهيد

1666- حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمّادٍ حدثنا بَقِيّةُ بنُ الوَلِيدِ عن بَجيرِ بنِ سَعِدٍ عن خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عن المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ قال‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ‏:‏ يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ ‏(‏الْعِينِ‏)‏، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ‏.‏

1667- حدثنا أبو بَكْرِ بنِ أبي النّضْرِ حدثنا أبو النّضْرِ البغدادي حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن أبي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيْهَا، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولرّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ في سَبِيلِ الله أو لغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فيْهَا‏.‏

1668- حدثنا ابنُ أبي عُمَرَ حدثنا سُفْيَانُ بن عينية حدثنا محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ قال‏:‏ مَرّ سَلْمَانُ الفَارِسِيّ بشُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ وهو في مُرَابَطٍ لَهُ وقد شقّ عليه وعلى أصْحَابِهِ، فقالَ‏:‏ ألاَ أُحَدّثُكَ يا ابنَ السّمْط بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ بَلَى، قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله أفْضَلُ ورُبّمَا قَالَ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، ومَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ، ونُمِيَ لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القيامةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

1669- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا الوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ عن إسماعيلَ بن رَافِعٍ عن سُمّي عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ لَقِيَ الله بِغَيْرِ أثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ الله وفِيهِ ثُلْمَةٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديثِ الوَلِيدِ بن مُسْلِمٍ عن إسماعيلَ بنِ رَافِعٍ‏.‏ وإسماعيلُ بنُ رَافِعٍ قد ضَعّفَهُ بَعْضُ أصحاب الحديثِ‏.‏ قال وَسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ‏:‏ هُوَ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحدِيثِ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ هذا الوجْهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وحديثُ سَلْمَانَ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتّصِلٍ‏.‏ محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ الفَارِسِيّ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن أيّوبَ بنِ مُوسَى عن مَكْحُولٍ عن شُرَحْبِيلَ بنِ السّمْطِ عن سَلْمَانَ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

1670- حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ حدثنا هِشَامُ بنُ عبدِ المَلِكِ حدثنا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ حدثني أبو عَقِيْلٍ زُهْرَةُ بنُ مَعْبَدٍ عَنْ أبي صَالِحٍ مَوْلَى عثمانَ، قال‏:‏ سَمِعْتُ عثمانَ وهُوَ على المِنْبَرِ يقولُ‏:‏ إني كَتَمْتُكُمْ حديثاً سَمِعْتُهُ مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كَرَاهِيَةَ تَفَرّقِكُمْ عَنّي ثم بَدَا لِي أنْ أُحَدّثَكُمُوهُ لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ، سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ‏:‏ ‏"‏رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ في ما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريب‏.‏

وقال محمد بن اسماعيل‏:‏ أبو صَالحٍ مَوْلَى عُثمانَ اسْمُه برْكَانُ‏.‏

1671- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ و أحمدُ بنُ نَصْرٍ النّيْسَابُورِيّ وغَيْرُ وَاحِدٍ قالوا‏:‏ حدثنا صَفْوَانُ بنُ عِيسَى حدثنا محمدُ بنُ عَجْلاَنَ عن القَعْقَاعِ بنِ حَكِيمٍ عن أبي صَالحٍ عن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما يَجِدُ الشّهِيدُ مِنْ مَسّ القَتْلِ إلاّ كَمَا يَجِدُ أحَدُكُمْ مِنْ مَسّ القَرْصَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ‏.‏

1672- حدثنا زِيَادُ بنُ أيّوبَ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أنبأنا الوَلِيدُ بنُ جَمِيلٍ الفلسطينيّ عن القَاسِمِ أبي عبدِ الرحمَنِ عن أبي أُمَامَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لَيْسَ شَيْءٌ أحَبّ إلى الله مِنْ قَطْرَتَيْنِ وأثَرَيْنِ‏:‏ قَطْرَة من دُمُوعٍ في خَشْيَةِ الله، وقَطْرَة دمٍ تُهْرَاقُ في سَبيلِ الله، وأمّا الأثَرَانِ فَأَثَرٌ في سَبيلِ الله وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الله‏"‏‏.‏

قال هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

‏(‏حدثنا نعيم بن حماد‏)‏ بن معاوية بن الحارث الخزاعي أبو عبد الله المروزي نزيل مصر، صدوق يخطيء كثيراً أففيه عارف بالفرائض من العاشرة، وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال‏:‏ باقي حديثه مستقيم، كذا في التقريب ‏(‏عن بحير‏)‏ بكسر المهملة ‏(‏بن سعيد‏)‏ السحولي كنيته أبو خالد الحمصي ثقة ثبت من السادسة، وقد وقع في النسخة الأحمدية المطبوعة عن بحير بن سعد وهو غلط، فإنه ليس في الرجال من اسمه بحير بن سعد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏للشهيد عند الله ست خصال‏)‏ لا يوجد مجموعها لأحد غيره ‏(‏يغفر له‏)‏ بصيغة المجهول ‏(‏في أول دفعة‏)‏ بضم الدال المهملة وسكوت الفاء هي الدفقة من الدم وغيره قاله المنذري‏:‏ أي تمحي ذنوبه في أول صبة من دمه‏.‏ وقال في اللمعات‏:‏ الدفعة بالفتح المرة من الدفع، وبالضم الدفعة من المطر، والرواية في الحديث بوجهين وبالضم أظهر أي يغفر للشهيد في أول صبة من دمه ‏(‏ويرى‏)‏ بضم أوله على أنه من الإراءة ويفتح ‏(‏مقعده‏)‏ منصوب على أنه مفعول ثان والمفعول الأول نائب الفاعل أو على أنه مفعول به وفاعله مستكن في يرى وقوله ‏(‏من الجنة‏)‏ متعلق به‏.‏ قال القاري‏:‏ وينبغي أن يحمل قوله ‏"‏ويرى مقعده‏"‏ على أنه عطف تفسير لقوله يغفر له لئلا يزيد الخصال على ست، ولئلا يلزم التكرار في قوله ‏(‏ويجار من عذاب القبر‏)‏ أي يحفظ ويؤمن إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا حملت على ظاهرها روى ‏(‏يأمن من الفزع الأكبر‏)‏ قال القاري‏:‏ فيه إشارة إلى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏لا يحزنهم الفزع الأكبر‏"‏ قيل هو عذاب النار، وقيل العرض عليها، وقيل هو وقت يؤمر أهل النار بدخولها، وقيل ذبح الموت فييأس الكفار من التخلص من النار بالموت، وقيل وقت إطباق النار على الكفار، وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلى من شاء الله‏}‏ انتهى ‏(‏ويوضع على رأسه تاج الوقار‏)‏ أي تاج هو سبب العزة والعظمة‏.‏ وفي النهاية‏:‏ التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر ‏(‏الياقوتة منها‏)‏ أي من التاج، والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها ‏(‏ويزوج‏)‏ أي يعطي بطريق الزوجية ‏(‏اثنتين وسبيعن زوجة‏)‏ في التقييد بالثنتين والسبعين إشارة إلى أن المراد به التحديد لا التكثير، ويحمل على أن هذا أقل ما يعطي ولا مانع من التفضل بالزيادة عليها قاله القاري ‏(‏من الحور العين‏)‏ أي نساء الجنة، واحدتها حوراء وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين ‏(‏ويشفع‏)‏ بفتح الفاء المشددة على بناء المجهول أي يقبل شفاعته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح غريب‏)‏ وأخرجه ابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏غير الشهيد‏)‏ قال النووي‏:‏ اختلف في سبب تسميته شهيداً فقال النضر بن شميل لأنه حي فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار السلام، وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة‏.‏ وقيل لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى من الثواب والكرامة‏.‏ وقيل لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه، وقيل لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى ‏(‏فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا يقول حتى أقتل عشر مرات‏)‏ وفي رواية الشيخين‏:‏ فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات ‏(‏مما يرى مما أعطاه الله من الكرامة‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ لما يرى من فضل الشهادة‏.‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة قال‏:‏ وليس في أعمال البر ما تبذل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رباط يوم‏)‏ أي ارتباط الخيل في الثغر والمقام فيه‏.‏ قال في النهاية‏:‏ الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، والمرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معد لصحابه، فسمى المقام في الثغور رباطاً، فيكون الرباط مصدر رابطت أي لازمت انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وغيرها، كذا في الترغيب‏.‏ وقال المناوي‏:‏ وهو من عزاه لمسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مر سلمان الفارسي‏)‏ أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل من رامهر مز، من أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، يقال بلغ ثلاثمائة سنة، كذا في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ قال أبو عبد الله بن مندة وكان أدرك وصي عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيما قيل وعاش مائتين وخمسين سنة أو أكثر‏.‏ وقال أبو الشيخ‏:‏ سمعت جعفر ابن أحمد بن فارس يقول‏:‏ سمعت العباس بن يزيد يقول لمحمد بن النعمان‏:‏ أهل العلم يقولون‏:‏ عاش سلمان ثلاث مائة وخمسين، فأما مائتين وخمسين فلا يشكون فيه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي‏:‏ رجعت عن القول بأنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك والعلم عند الله انتهى ‏(‏بشرحبيل بن السمط‏)‏ بكسر المهملة وسكون الميم الكندي الشامي، جزم ابن سعد بأن له وفادة ثم شهد القادسية وفتح حمص وعلم عليها لمعاوية، كذا في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ مختلف في صحبته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو في مرابط له‏)‏ اسم ظرف من الرباط قوله‏:‏ ‏(‏وقد شق‏)‏ أي صعب القيام فيه قوله‏:‏ ‏(‏رباط يوم‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ يوم وليلة ‏(‏وربما قال خير‏)‏ أي مكان أفضل ‏(‏من صيام شهر وقيامه‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال ابن بزبزة‏:‏ لا تعارض بين حديث سلمان‏:‏ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وبين حديث عثمان‏:‏ رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل، لأنه يحمل على الإعلام بالزيادة في الثواب على الأول، أو باختلاف العاملين انتهى‏.‏ ‏(‏وفي فتنة القبر‏)‏ أي مما يفتن المقبور به من ضغطة القبر والسؤال والتعذيب ‏(‏ونمى‏)‏ ضبط في النسخة الأحمدية بضم النون وكسر الميم بصيغة المجهول، والظاهر أن يكون بفتح النون والميم على البناء للفاعل فإنه لازم‏.‏ قال في الصراح‏:‏ نمو بضمتين كواليدن يعني نمو كردن وباليدن نبات وحيوان‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ نما ينمو نمواً زاد كنما ينمى ونمياً ونماء انتهى ‏(‏له عمله إلى يوم القيامة‏)‏ يعني أن ثوابه مجرى له دائماً ولا ينقطع بموته، وفي رواية مسلم‏:‏ جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان‏.‏ قال النووي‏:‏ هذه فضيلة ظاهرة للمرابط‏:‏ وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به، لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحاً في غير مسلم‏:‏ كل ميت يختم عليه عمله إلا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة انتهى‏.‏

‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والطبراني وفي سند الترمذي انقطاع كما صرح به الترمذي فيما بعد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن إسماعيل بن رافع‏)‏ بن عويمر الأنصاري المدني نزيل البصرة يكنى أبا رافع ضعيف الحفظ من السابعة ‏(‏عن سمى‏)‏ بصيغة التصغير مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من لقي الله بغير أثر من جهاد‏)‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ الأثر بفتحتين ما بقي من الشيء دالاً عليه، قاله القاضي، والمراد هنا العلامة أي من مات بغير علامة من علامات الغزو من جراحه أو غبار طريق أو تعب بدن أو صرف مال أو تهيئة أسباب وتهبه أسلحة انتهى ‏(‏لقي الله‏)‏ أي جاء يوم القيامة ‏(‏وفيه ثلمة‏)‏ بضم المثلثة وسكون اللام أي خلل ونقصان بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة ومجاهدة المجاهدة، ويمكن أن يكون الحديث مقيداً بمن فرض عليه الجهاد ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى المراد، قاله القاري وقال المناوي‏:‏ قبل وذا خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ قوله‏:‏ ‏"‏من جهاد‏"‏ صفة أثر وهي نكرة في سياق النفي فتعم كل جهاد مع العدو والنفس والشيطان، وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏سيماهم في وجوههم من أثر السجود‏}‏ والثلمة ههنا مستعارة للنقصان وأصلها أن تسعتمل في نحو الجدار، ولما شبه الإسلام بالبناء في قوله‏:‏ بني الإسلام على خمس، جعل كل خلل فيه ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح، وهذا أيضاً يدل على العموم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب الخ‏)‏ وأخرجه ابن معاوية والحاكم ‏(‏وسمعت محمداً‏)‏ يعني البخاري ‏(‏يقول هو ثقة مقارب الحديث‏)‏ قد تقدم معنى مقارب الحديث وضبطه في المقدمة ‏(‏وقد روى هذا الحديث عن أيوب بن موسى‏)‏ بن عمرو بن سعيد بن العاص كنيته أبو موسى المكي الأموي ثقة من السادسة ‏(‏عن مكحول عن شرحبيل بن السمط عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏)‏ أخرجه مسلم في صحيحه بهذا السند‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا هشام بن عبد الملك‏)‏ مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت من التاسعة ‏(‏حدثنا الليث بن سعد‏)‏ بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة ‏(‏حدثني أبو عقيل‏)‏ بالفتح ‏(‏زهرة‏)‏ بضم الزاء وسكون الراء ‏(‏بن معبد‏)‏ بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الموحدة بن عبد الله بن هشام القرشي التيمي المدني نزيل مصر ثقة عابد من الرابعة ‏(‏عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان‏)‏ مقبول من الثالثة اسمه الحارث ويقال تركان بمثناة أوله ثم راء ساكنة، قاله في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ ذكره ابن حبان في الثقات‏.‏ وقال العجلي‏:‏ روى عنه زهرة بن معبد والمصريون ثقة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كراهية تفرقكم عني‏)‏ أي مخافة أن تتفرقوا عني وتذهبوا إلى الثغور للرباط بعد سماع الحديث لما فيه من الفضيلة العظيمة ‏(‏ثم بدا لي‏)‏ أي ظهر لي ‏(‏خير من ألف يوم فيما سواه‏)‏ أي فيما سوى الرباط أو فيما سوى سبيل الله، فإن السبيل يذكر ويؤنث ‏(‏من المنازل‏)‏ قال القاري‏:‏ وخص منه المجاهد في المعركة بدليل منفصل عقلي ونقلي وهو لا ينافي الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فذلكم الرباط فذلكم الرباط، لأنه رباط دون رباط بل هو مشبه بالرباط للجهاد فإنه الأصل فيه، أو هذا رباط الجهاد الأكبر كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر تفسير لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا‏}‏ فإن الرباط الجهادي قد فهم مما قبله كما لا يخفي‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ فإن قلت‏:‏ هو جمع محلى بلام الاستغراق فيلزم أن يكون المرابط أفضل من المجاهد في المعركة ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد وقد قال فيه فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقد شرحنا ثمة، قلت‏:‏ هذا في حق من فرض عليه المرابطة وتعين بنصب الإمام‏.‏ قال القاري في الفرض العين لا يقاتل إنه خير من غيره لأنه متعين لا يتصور خلافه إذ اشتغاله بغيره معصية انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأحمد بن نصر‏)‏ بن زياد ‏(‏النيسابوري‏)‏ الزاهد المقري أبو عبد الله بن أبي جعفر ثقة ففيه حافظ من الحادية عشرة ‏(‏حدثنا صفوان بن عيسى‏)‏ الزهري أبو محمد البصري القسام ثقة من التاسعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من مس القتل‏)‏ وفي رواية‏:‏ ألم القتل ‏(‏من مس القرصة‏)‏ وفي رواية‏:‏ ألم القرصة، وهي بفتح القاف وسكون الراء هي المرة من القرص، قال في القاموس‏:‏ القرص أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه ولسع البراغيث انتهى‏.‏ وذا تسلية لهم عن هذا الخطب المهول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الوليد بن جميل‏)‏ الفلسطيني أبو الحجاج صدوق يخطي من السادسة‏.‏

وله‏:‏ ‏(‏قطرة دموع‏)‏ بحرها على البدل ويجوز رفعها ونصبها أي قطرة بكاء حاصلة ‏(‏من خشية الله‏)‏ أي من شدة خوفه وعظمته المورثة لمحبته ‏(‏قطرة دم تهراق‏)‏ بصيغة المجهول وسكون الهاء ويفتح وهو بصيغة التأنيث على أنه صفة قطرة ‏(‏في سبيل الله‏)‏ وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير، ولعل وجه إفراد الدم وجمع الدموع أن الدمع غالباً يتقاطر ويتكاثر بخلاف الدم‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ المراد بقطرة الدموع قطراتها فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع، وفي إفراد الدم وجمع الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على تقاطر الدمع بكاء انتهى‏.‏ ولما كان ما سبق في قوة قوله‏:‏ فأما القطرتان فكذا وكذا عطف عليه وقال ‏(‏وأما الأثران فأثر في سبيل الله‏)‏ كخطوة أو غبار أو جراحة في الجهاد أو سواد حبر في طلب العلم ‏(‏وأثر في فريضة من فرائض الله‏)‏ كإشقاق اليد والرجل من أثر الوضوء في البرد وبقاء بلل الوضوء، واحتراق الجبهة من حر الرمضاء التي يسجد عليها، وخلوف فمه في الصوم واغبرار قدمه في الحج‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه الضباء المقدسي‏.‏